حسن الستري


يتفضل حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك البلاد المعظم حفظه الله ورعاه، فيشمل برعايته الكريمة افتتاح دور الانعقاد الخامس من الفصل التشريعي السادس لمجلسي الشورى والنواب، وذلك اليوم الموافق الحادي عشر من شهر أكتوبر 2026.

ومن المقرر أن يعقد مجلس الشورى اليوم، جلسته الأولى «الإجرائية» في دور الانعقاد الخامس من الفصل التشريعي السادس، وذلك بعد انتهاء مراسم افتتاح دور الانعقاد، حيث يتفضل حضرة صاحب الجلالة ملك البلاد المعظم، بافتتاح دور الانعقاد وإلقاء الخطاب الملكي السامي.

ويترقب الشارع البحريني والأوساط السياسية مضامين الخطاب الملكي السامي الذي سيتفضل جلالة الملك المعظم بإلقائه خلال حفل الافتتاح، حيث يمثل هذا الخطاب تاريخياً خارطة طريق متكاملة، ومنارة توجيهية تسترشد بها السلطتان التشريعية والتنفيذية في تحديد مسارات العمل الوطني، ورسم أولويات المرحلة المقبلة، وتعميق الشراكة الاستراتيجية بين الحكومة والمجلسين بما يخدم المصلحة العليا للوطن والمواطنين.

وأنهت الأمانتان العامتان لمجلسي الشورى والنواب كافة الاستعدادات والترتيبات اللوجستية والإعلامية اللازمة لإقامة حفل الافتتاح، وضمان خروجه بالمستوى التنظيمي الذي يليق بالرعاية الملكية السامية.

وفي موازاة الاستعدادات الرسمية لحفل الافتتاح، يعيش البيت البرلماني بمجلسيه «الشورى والنواب» حراكاً متصاعداً وتنسيقات واسعة النطاق بين الأعضاء، بهدف حسم الاستحقاقات التنظيمية الداخلية في الجلسة الأولى، وفي مقدمتها مقعد النائب الأول لرئيس مجلس النواب، وتزكية مناصب مكتب رئيس مجلس الشورى، وتشكيل اللجان الدائمة، تمهيداً لمواجهة حزمة من أثقل الملفات المالية والتشريعية والرقابية.

وعلى رأس الأجندة التشريعية والاقتصادية لدور الانعقاد الجديد، يبرز مشروع قانون الميزانية العامة للدولة للسنتين الماليتين 2027 و2028 كأحد أثقل الملفات وأكثرها تعقيداً، لما يمثله من أداة رئيسية لتوجيه السياسة الاقتصادية والاجتماعية للدولة، وما يرتبط به من نقاشات معمقة حول تقديرات الإنفاق العام والإيرادات، وتمويل المشاريع البنيوية المستدامة.

وفي ذات السياق الاقتصادي، ينتظر المجلسان ملفاً مالياً بالغ الأهمية وهو استكمال دراسة مشروع قانون الضريبة على دخل الشركات ونشاط الأعمال. ويمثل هذا المشروع تحولاً جوهرياً في المنظومة الضريبية والمالية في المملكة، ويتطلب نقاشاً فنياً وقانونياً عالي المستوى لتحقيق التوازن الدقيق بين تنمية الإيرادات العامة للدولة غير النفطية من جهة، والمحافظة على التنافسية الاقتصادية الجاذبة للمملكة وقدرة المؤسسات والشركات المحلية على النمو ومواصلة توليد فرص العمل للمواطنين من جهة أخرى.

وتشمل الملفات أيضاً استكمال المسار التشريعي لإنشاء الصندوق الوطني لرعاية ودعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة، وتعديل قانون حماية المستهلك لمكافحة الغلاء والاحتكار، إلى جانب المتابعة الصارمة للملاحظات الواردة في تقارير ديوان الرقابة المالية والإدارية، وتقييم كفاية البرامج الداعمة للمؤسسات المتضررة من تقلبات سلاسل التوريد وارتفاع تكاليف الشحن الدولي الناجمة عن الأوضاع الإقليمية.

أما على الصعيد التقني والقانوني، تبرز مشاريع قوانين نوعية تقودها اللجنة التشريعية والقانونية، وفي مقدمتها حسم مشروع قانون تنظيم الذكاء الاصطناعي الذي توقع النائب محمود فردان في حوار مع الوطن حسمه خلال هذا الدور، بهدف وضع إطار قانوني وتنظيمي متكامل يحكم استخدامات هذه التقنيات الناشئة في المملكة، ويضمن الاستفادة القصوى منها في قطاعات الإنتاج والخدمات مع حماية الأمن السيبراني والخصوصية الرقمية للأفراد والمؤسسات، بالإضافة إلى مشروع تعديل قانون الإثبات فيما يتعلق بتطوير منظومة الخبرة القضائية، ومراجعة قانون إيجار العقارات، وتطوير نصوص وأحكام في القانون المدني تعنى بتحديد المسؤولية القانونية المترتبة على استخدام الآلات والبرمجيات الذكية التي تعمل بصورة تلقائية ومستقلة.

وعلى الجانب الرقابي، يلوح في الأفق حراك نيابي يتصدره ملف فواتير الكهرباء والماء.

وأظهر رصد لصحيفة «الوطن»، أن مجموع المراسيم بقانون المعروضة أمام السلطة التشريعية بلغ 10 مراسيم، منها 9 تنتظر إقرارها من مجلس النواب في دور الانعقاد، ومرسوم واحد ينتظر البت فيه لدى مجلس الشورى. وطبقاً للرصد، صدرت خلال الإجازة الحالية 8 مراسيم بقانون، تضاف إلى مرسوم لا يزال لدى مجلس النواب منذ دور الانعقاد الماضي.

ويناقش مجلس النواب في دور الانعقاد مشروع قانون لتمويل الزيادة السنوية في معاشات المتقاعدين من فائض حساب التأمين ضد التعطل، بصورة مؤقتة إلى حين تحقق الفائض في صناديق التقاعد والتأمينات الاجتماعية والتقاعد العسكري، بهدف تحسين المستوى المعيشي للمتقاعدين وضمان زيادة سنوية لهم.

ومن المقرر أن تناقش السلطة التشريعية، مشروع قانون نيابياً بإنشاء «صندوق التنمية الصناعية»، بهدف تشجيع الاستثمار ودعم المشاريع الصناعية البحرينية وخلق فرص العمل وتمويل المشاريع المستقبلية.

ويناقش مجلس النواب في دور الانعقاد مشروع قانون لتشجيع الاستثمار النوعي في مملكة البحرين، يشمل دعم الصناعات المتطورة والمستقبلية في مجالات الطاقة المتجددة والأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي، وتسريع التحول نحو الثورة الصناعية الرابعة، وخلق فرص عمل واعدة للمواطنين، إلى جانب زيادة مساهمة القطاع الصناعي في الناتج المحلي الإجمالي والصادرات الوطنية، وتنمية القطاعات غير النفطية.

كما من المنتظر أن يناقش مجلس النواب مشروع قانون بتعديل بعض أحكام القانون رقم 40 لسنة 2017 بشأن الضريبة الانتقائية، المرافق للمرسوم رقم 78 لسنة 2025، وكذلك مشروع قانون شوري بشأن المسؤولية الطبية.

كما يناقش المجلس مشروع قانون حكومي بشأن تعزيز التعايش والتسامح ومكافحة خطاب الكراهية، المرافق للمرسوم رقم 67 لسنة 2025، متضمناً عقوبات تصل إلى الحبس لمدة سنتين وغرامات تصل إلى 20 ألف دينار، إلى جانب وضع إطار تشريعي لتعزيز قيم التعايش والتسامح والتماسك المجتمعي ومكافحة خطاب الكراهية.

في سياق متصل، يتصدر التنافس على منصب النائب الأول لرئيس مجلس النواب المشهد النيابي مع افتتاح دور الانعقاد الخامس من الفصل التشريعي السادس، في ظل تحركات بين النواب لحشد الدعم للمرشحين، بالتزامن مع استعداد المجلس لاستئناف أعماله التشريعية والرقابية ومناقشة ملفات اقتصادية وخدمية خلال المرحلة المقبلة.

وتتجه الأنظار صوب قاعة مجلس النواب لمتابعة المعركة الانتخابية الساخنة على المقعد الشاغر لمنصب النائب الأول لرئيس مجلس النواب، حيث تشتعل كواليس المجلس بالاتصالات الهاتفية واللقاءات الجانبية والمشاورات المكثفة بين الأعضاء لاستطلاع المواقف وحشد التأييد وبناء التحالفات قبل الدخول إلى قاعة الاقتراع السري.

ويكتسب هذا المقعد أهمية تنظيمية كبرى داخل هيئة مكتب المجلس لما له من دور رئيسي في إدارة الجلسات وتوجيه الدفة البرلمانية.

وقد برزت في دائرة المنافسة الكلية 7 أسماء نيابية وازنة، مما ينبئ بتنافسية شديدة، إذ أعلن 3 نواب فقط بشكل رسمي خوضهم المعركة الانتخابية لمركز النائب الأول وهم باسمة مبارك ومنير سرور وعبدالله الرميحي.

وإلى جانب الترشيحات الرسمية، أكدت مصادر نيابية واسعة الاطلاع أن النية تتجه لدى 4 نواب آخرين لخوض هذه المنافسة، وإن لم يصدر عنهم إعلانات رسمية حتى اللحظة، وهم رئيس لجنة الشؤون المالية والاقتصادية أحمد السلوم، الذي يحظى بدعم معلن من النائب خالد بوعنق، والنائب هشام العشيري، ورئيس لجنة الشؤون التشريعية والقانونية محمود فردان، والذي حظي بدعم معلن من زميله النائب جلال كاظم، وأخيراً النائب جليلة السيد.

وتتجه أنظار المراقبين إلى ما ستسفر عنه الاتصالات البرلمانية في الساعات القليلة المقبلة، وما إذا كانت التوافقات والترضيات السياسية ستقود إلى انسحاب بعض المرشحين لتقليص العدد وحسم المنصب، أم أن تعدد المرشحين سيفرض نفسه؛ مما يضطر المجلس للذهاب إلى صناديق الاقتراع وحسم الفائز عبر جولة أولى أو جولة إعادة. ويتبع هذا الاستحقاق مباشرة تشكيل اللجان البرلمانية الخمس الدائمة وانتخاب رؤسائها ونوابهم.

من جانبه، أكد رئيس مجلس النواب أحمد المسلم، عدم التدخل في اختيار مقعد نائب الرئيس، مؤكداً الوقوف على مسافة واحدة من جميع أعضاء مجلس النواب وبما يخدم مملكة البحرين وشعبها.

وعلى النقيض من الأجواء التنافسية المحتدمة في مجلس النواب، تسير الأمور في مجلس الشورى نحو الاستقرار المعهود والتوافق التام لإعادة ترتيب هيكلية هيئة مكتب المجلس، حيث تتجه بوصلة أعضاء مجلس الشورى إلى تجديد الثقة بالتزكية في القيادات الحالية لشغل مناصب نواب الرئيس، وهم جمال فخرو، وجهاد الفاضل.

ويعكس هذا التوافق الكبير داخل مجلس الشورى، رغبة الأعضاء في الحفاظ على استمرارية العطاء والخبرة المتراكمة لدى هيئة المكتب، بما يضمن انسجام الأداء التشريعي للمجلس وقدرته على التعاطي السريع والفعال مع القوانين والمراسيم المحالة إليه، وخصوصاً التشريعات الاقتصادية والمالية المرتقبة بالشراكة مع مجلس النواب والحكومة.

وتكتسب هذه المحطة البرلمانية أهمية استثنائية وزخماً سياسياً وتجارياً بالغاً، بالنظر إلى سياقها الزمني المتمثل في تمديد الفصل التشريعي، وحجم الملفات الاستراتيجية الساخنة المدرجة على جدول أعمال السلطة التشريعية بمجلسيها، والتي تمس بشكل مباشر التوجهات الاقتصادية للدولة والمكتسبات المعيشية للمواطنين.