لفت نظري ما ذكره أحد المتحدثين في جلسة ضمن منتدى فنتك فورورد والتي تحدث فيها أحد الخبراء عن الاحتيال وأن الـ«دارك ويب» باتت توفر منصات تُقدّم الاحتيال كخدمة حيث يُمكن للمجرمين شراء هويات اصطناعية وشخصيات افتراضية كاملة. ثم تذكرت ما انتشر قبل أشهر عن أخبار مزوري الشهادات العلمية والمهنية وما وصلت إليه من مرحلة خطيرة.

فقد تبيّن بعد سنوات طويلة من العمل كجراح قلب وأستاذاً بكلية الطب في أحد الدول أن الطبيب الأستاذ لم يدرس الطب وهارب من تنفيذ حكم قضائي غيابي بالسجن المشدد لمدة 10 سنوات في قضية تزوير محررات رسمية وانتحال صفات مهنية وأكاديمية، وكذلك الذي انتحل صفة قاضٍ وهو لا يملك شهادة في القانون، وذاك الطيار الكندي المزيف الذي تولى قيادة أكثر من 900 رحلة جوية داخلية ودولية على مدار 17 عاماً وحلّق بعشرات الآلاف من الركاب على متن أضخم طائرات البوينغ دون أن يكتشف أمره، وما فاضت به أخبار إحدى الدول عن العدد الضخم من الشهادات العادية والعليا المزورة.. والكثير والكثير.

هذه القصص من دول العالم، تؤكد أننا لسنا بمنأى عن هذا الداء، على الرغم من وجود تقويم للمؤهلات العلمية الخارجية للتحقق من صحة صدور الشهادة وعدم تزويرها بالتواصل مع الجهات المانحة، لأن الذكاء الاصطناعي وما يعرف بـ»دارك ويب» اليوم باتت أدوات ومنصات تقدم خدمات لا نعلم الكثير من تفاصيلها.

وهناك من الأشخاص اليوم يخرجون علينا في كافة وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي بصفة يومية، وقد نتفاجأ في المستقبل القريب أنهم شخصيات مزيفة استطاعت أن تصل للشهرة بأدوات غير قانونية، ولن تجد من يسأل عن شهاداتهم أو من أين لهم هذا الكم من التصريحات الصحفية التي تتحدث في كافة شؤون الاقتصاد والتجارة والسياسة وحقوق الإنسان وعلوم الدين والفلك والبحار، وحتى ربما سنجدهم يتحدثون عن توقعات الطقس في صيغة تصريح صحفي لو طرحت عليهم الأسئلة.

للأسف اليوم بدراهم ودنانير معدودة، وتطبيل هنا وهناك، تستطيع أن تصنع لنفسك شخصية أكبر من وزنك، وتدخل بها أي مدينة لتقنع الناس بأنك الأفضل والأذكى والكائن الفضائي الذي يرتدي «بشت» إنسان ويتحدث في جميع المجالات، وهو واقع سقيم لا يأتي بشيء مفيد.

فلماذا نراهم في كل صفحة نقلبها على هواتفنا وفي صدارة كل موقع نحاول متابعته؟، وكأنه «لم يولد في هالبلد إلا هذا الولد»، لكن الإجابة تكمن في حجم التزييف العميق الذي وصل إليه هؤلاء المزورون، فلم يكن لشخص عادي أن يمسك بمشرط الجراحة ويفتح قلب مريض أو أن يتجرأ ويدخل إلى قاعة جامعة عريقة ويدرس لطلبة الطب علوماً لم يعلمها، إلا من خلال تزييف عميق لم يكتشف إلا عقب سنوات بعيدة أو كما يقولون بعد خراب البصرة.

«الرذيلة الوحيدة التي لا يمكن غفرانها هي النفاق؛ لأن توبة المنافق هي في حد ذاتها نفاق جديد».. الناقد والأديب الإنجليزي ويليام هازليت.

* قبطان - رئيس تحرير جريدة«ديلي تربيون» الإنجليزية