كتبت بالأمس أن كلمات حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك البلاد المعظم، حفظه الله ورعاه، تحمل دائماً محاور جديدة، وتضع أمامنا نقاطاً تستحق التوقف والتفصيل. وجاء خطاب جلالته أمس في افتتاح دور الانعقاد ليؤكد ذلك، ويفاجئنا بهذا الحجم من التقدير لشعب البحرين. وهو خطاب يحتاج إلى مقالات عدة، لكن حديثه عن شعبه المحب يستوقفني اليوم بشدة.
تحدث جلالته باعتزاز الأب بأبنائه، وهو يستحضر وقفتهم خلال الاعتداءات الإيرانية الغاشمة، وتماسكهم وتعاضدهم مع قيادتهم في فترة عصيبة. كان واضحاً أن هذه المواقف تركت في نفسه أثراً كبيراً، وأنه يراها جزءاً يستحق أن يحفظ في تاريخ البحرين، عرفاناً لمن واجه الخطر بحب الوطن والثبات على الولاء.
وبلغ هذا التقدير أن خصص جلالته الأول من يونيو من كل عام «يوم العهد والولاء»، مناسبة وطنية وإجازة رسمية، وهو تاريخ توقيعه مع أنجاله الكرام وثيقة الشكر والوفاء لشعب البحرين. تأملوا دلالة الاختيار، يوم يشكر فيه الملك شعبه يصبح موعداً سنوياً يحتفي فيه الوطن بهذه العلاقة.
أهل البحرين لم ينتظروا تكريماً وهم يذودون عن بلادهم. أدوا واجبهم تجاه وطنهم وقيادتهم، لكن جلالته أراد أن يقول لهم إن ما فعلوه محفوظ ومقدّر، وإن الوفاء لا يُنسى بانتهاء الظرف الذي استدعاه. وهذه رسالة مهمة للأجيال أيضاً؛ أن موقف المواطن في وقت الشدة له مكانه في ذاكرة الدولة.
واستوقفني أن جلالته ربط قوة البحرين بقدرة مجتمعها على الإسهام في مواجهة التحديات. في ذلك إنصاف لدور الناس، إلى جانب مؤسسات الدولة وقواتها. فالصمود الذي نحتاجه لا يكتمل من دون مواطن يحفظ سكينة مجتمعه، ويرفض ما يفرق أبناءه. هذا ما يجعل تكريمهم تقديراً لدور حقيقي في حماية الوطن.
هذه الطيبة الملكية نعرفها في حمد الأب والقائد والإنسان الرحيم. وفي هذا الموقف تحديداً نفهم معنى أن نسميه «ملك الإنسانية»؛ قائد ينتبه لمشاعر الناس ويقدّر تضحياتهم، ويبادلهم المحبة دون أن يتعامل مع إخلاصهم كأمر مسلّم به. وهو تقدير يجعل المواطن يشعر بأن قربه من قيادته متبادل.
وفي حمد نرى امتداد والده العظيم، صاحب العظمة الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة، رحمه الله. والدنا الذي نحبه ونترحم عليه، وأمير القلوب الذي بقي قريباً من البحرينيين بعد رحيله. اقترنت نهضتنا الحديثة باسمه، وفي عهده قامت البحرين المستقلة وترسّخت علاقاتها الإقليمية والدولية، وكان أحد القادة المؤسسين لمجلس التعاون الخليجي.
كان عيسى بن سلمان المدرسة الأولى لجلالة الملك. نشأ في كنف رعايته، وحضر مجالسه منذ صغره، ومن هذه المدرسة نفهم قرب حمد من الناس وتأثره بطيبة والده وخصاله. فمجالس الحكم تعلّم المسؤولية، ومجالسة أب محب لشعبه تعلّم كيف تحمل تلك المسؤولية بإنسانية، وكيف يبقى باب الحاكم مفتوحاً لأهل بلاده.
وقد أعطانا جلالته أبلغ شهادة على هذا الامتداد في 6 مارس 2024، خلال الاحتفال باليوبيل الفضي لتوليه مقاليد الحكم، حين قال: «كل ما عملته في الفترة الأخيرة هو من أفكار وآمال الوالد». بهذه الكلمات أعاد جلالته جذور ما نعيشه من إصلاح ونهضة إلى أفكار أبيه وطموحاته. وفي تقديري، فإن منجزات المشروع الإصلاحي تحمل بهذا المعنى وفاء الابن لما تعلّمه، مثلما تحمل رؤيته للمستقبل. وهذا حجم من الامتنان يقوله قائد في مناسبة تحتفي بخمسة وعشرين عاماً من عهده.
ومن هذا الوفاء جاء توجيه جلالته بأن يكون العام المقبل، 2027، «عام عيسى بن سلمان». وهو تكريم يحمل محبّة الابن، واعتراف قائد بما قدمه «أمير القلوب» للبحرين وشعبها. ونحن الذين أحببنا الأمير الإنسان نرى في هذا العام فرصة ليعرف أبناؤنا سيرته، وما وراء صورته من عمل وإنسانية وقرب من الناس.
وأجمل ما نقدّمه لهذا التكريم أن نحفظ حكايات عيسى بن سلمان من أفواه من عرفوه، ونوصلها إلى الجيل الذي لم يعاصره. وحين يسأل أطفالنا عن «يوم العهد والولاء»، فلنحكِ لهم كيف وقف أهلهم للبحرين، وكيف قابل ملكهم الغالي حمد ذلك الحب بحب أكبر، وأراد لهذا الوفاء أن يبقى ويُخلد بينهم.