تتصاعد أعمال العنف التي ينفذها مستوطنون إسرائيليون ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية، مع تحول مزارع الأغنام والبؤر الاستيطانية إلى وسيلة للسيطرة على مساحات واسعة من الأراضي ودفع السكان إلى مغادرة قراهم، بحسب تقرير لشبكة «سي بي إس نيوز» ضمن برنامج «60 دقيقة».
وتقع الضفة الغربية على الضفة الغربية لنهر الأردن، ويقطنها أكثر من ثلاثة ملايين فلسطيني يأملون في أن تكون قلب دولتهم المستقبلية، إلى جانب أكثر من 500 ألف مستوطن إسرائيلي يعتبرون المنطقة جزءاً من موطنهم التاريخي، ويطلقون عليها اسمي «يهودا والسامرة». وتخضع المنطقة للاحتلال العسكري الإسرائيلي منذ نحو ستة عقود، فيما تتزامن التطورات مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية وانتخابات التجديد النصفي في الولايات المتحدة، بما قد يؤثر في طريقة التعامل مع عنف المستوطنين.
مزارع الأغنام تتمدد داخل التجمعات الفلسطينية
يرصد التقرير تحولاً في أساليب الاستيطان، مع توسع مزارع الأغنام الإسرائيلية التي تدفع قطعانها إلى عمق التجمعات الفلسطينية، في خطوة تسهم في فرض السيطرة على الأراضي ومناطق الرعي والزراعة والبناء.
وقال مردخاي مينستر، الذي شارك في تأسيس مزرعة أغنام بالضفة الغربية، إن الرعي يمثل وسيلة لترسيم الحدود على الأرض، موضحاً أن وجود القطعان يحدد المناطق التي يستخدمها المستوطنون ويمنع الفلسطينيين من الرعي أو الزراعة أو البناء فيها.
ويقدّر التقرير أن مزارع الأغنام باتت تسيطر على نحو 20% من مساحة الضفة الغربية، مع ظهور قرابة 200 مزرعة خلال السنوات الأخيرة.
وقال وحيد مرسوق، وهو معلم فلسطيني من بلدة المغير، إن المستوطنين يدفعون الأغنام أحياناً إلى داخل منازل الفلسطينيين، حيث تدخل القطعان إلى الأفنية وتأكل الأشجار المحيطة بالمنازل.
ويشير التقرير إلى أن أكثر من 100 تجمع فلسطيني تعرض للتهجير أو الاختفاء نتيجة عنف المستوطنين والتوسع المتواصل للمزارع والقطعان.
«شباب التلال» في صدارة الاعتداءات
تُعد مجموعة من المستوطنين الشباب، المعروفة باسم «شباب التلال»، من أبرز الجهات المتورطة في أعمال العنف. ويقول التقرير إن أفرادها يهاجمون الحقول والقرى الفلسطينية، ويقطعون أشجار الزيتون، ويحرقون السيارات ويتلفون الممتلكات، فضلاً عن مضايقة المزارعين وقطعانهم.
وبحسب مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، سُجل أكثر من 1600 حادث عنف للمستوطنين خلال العام الجاري.
ويقدّر مينستر أن المجموعة الأكثر تشدداً تضم ما يصل إلى 500 مستوطن، مع وجود نحو ألف آخرين يتنقلون بين هذه التجمعات. ووصف بعضهم بأنهم شبان تتراوح أعمارهم بين 15 و25 عاماً، يعيشون في المزارع ويعملون في الرعي والبناء.
وكان السفير الأمريكي لدى إسرائيل مايك هاكابي قد وصف عنف المستوطنين بأنه إرهاب، فيما رفض مينستر تعميم هذا الوصف، لكنه أقر بأن بعض الشبان يتصرفون بأساليب عدوانية تستدعي ضبطهم ومحاسبتهم.
واعترف مينستر بأن فلسطينيين قُتلوا نتيجة عنف المستوطنين، لكنه قال إن ذلك لا يغير، من وجهة نظره، ما يعتبره حقاً تاريخياً لليهود في الوجود بالمنطقة.
عائلة فلسطينية محرومة من الوصول إلى منزلها
في قرية جناتة، التي يعني اسمها «الجنة» بالعربية، يروي محمود فرّاج وابن عمه حسن أن مجموعة تضم ما بين 20 و25 مستوطناً دخلت أرض العائلة في 26 مارس، وأقامت بؤرة استيطانية وصفها حسن بأنها مجرد خيمة في البداية.
وقال حسن إن المستوطنين بدأوا يتصرفون باعتبارهم أصحاب الأرض، مشيراً إلى أن البؤرة أصبحت تعيق الوصول إلى أحد منازل العائلة، وأن أحد أقاربه لم يعد قادراً على الوصول إلى منزله.
واتهم حسن المستوطنين بسرقة الكهرباء والمياه من السكان المحليين، معتبراً أن الهدف هو جعل المنطقة غير صالحة للعيش ودفع أهلها إلى الرحيل، مضيفاً أن عدداً من المنازل تُرك بالفعل.
وروى أفراد العائلة أنهم تعرضوا لهجمات متكررة أثناء محاولتهم الاقتراب من منازلهم. وقال حسن إن مستوطنين هاجموه مع عمه وابن عمه محمد باستخدام العصي والحجارة والغاز المسيل للدموع، فيما أطلق أحد المسلحين النار على محمد وأصابه في الرأس، قبل أن يتعرض عمه وابنه للضرب بالعصي.
وفي واقعة أخرى، حاول حسن اصطحاب فريق «60 دقيقة» إلى منزل العائلة، لكن شباناً من البؤرة الاستيطانية اعترضوا طريقه ودفعوه واعتدوا عليه، ما أدى إلى كسر أنفه.
وقال حسن للمستوطنين بالعبرية: «هذه أرضي ولن تبقوا هنا. هذه جذوري».
دعم حكومي ومخاوف من تراجع الدعم الأمريكي
يأتي تصاعد الاعتداءات وسط انتقادات أمريكية ودولية للحكومة الإسرائيلية بسبب تعاملها مع عنف المستوطنين. وقد دعت إدارة ترامب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إلى معالجة الوضع، فيما أدان نتنياهو أعمال العنف، لكن التقرير يشير إلى أن حكومته خصصت عشرات الملايين من الدولارات لتوسيع مزارع الأغنام وتسليحها وتزويدها بمركبات أمريكية الصنع للطرق الوعرة.
ويرى التقرير أن نتائج الانتخابات الإسرائيلية المقبلة وانتخابات التجديد النصفي الأمريكية قد تؤثر في مستقبل هذه السياسات. فقد هدد ديمقراطيون أمريكيون بتقييد المساعدات العسكرية لإسرائيل، جزئياً بسبب الاعتداءات في الضفة الغربية.
وأعرب مينستر عن قلقه من تراجع التأييد الشعبي الأمريكي لإسرائيل، معتبراً أن فقدان الدعم الأمريكي قد يعني خسارة صداقة وحليف سياسي وعسكري، لكنه أضاف أن إسرائيل قد تجد حلفاء آخرين.