بقلم: عيسى بن عبدالرحمن الحمادي
حين أقبل حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، ملك البلاد المعظم، حفظه الله ورعاه، كنتُ ممن تشرفوا بالحضور في قاعة مركز عيسى الثقافي. ولم أشعر أنني أمام مراسمٍ تبدأ ثم تنقضي، أو افتتاحٍ لدور انعقاد تشريعي يُقرأ في سجل البروتوكول ثم يُطوى؛ بل أمام لحظةٍ تمسّ القلب قبل السمع، وتبلغ الوجدان قبل البيان. دخل جلالته، فدخل معه الوقار هادئًا، والحنان نديًّا، والوطن حاضرًا في أبهى معانيه.
رفع يده الكريمة بالسلام، فإذا السلام عهدٌ يُجدَّد، وودٌّ يُؤكَّد، وسكينةٌ تمرّ على الوجوه قبل الصفوف؛ ثم سأل عن الأحوال بصوتٍ لا تصنعه المراسم ولا تبلغه الخطب: صوت أبٍ يعرف أبناءه، وملكٍ يحمل شعبه في قلبه، وقائدٍ إذا اقترب ازدادت الهيبة قربًا، وازدادت المحبة صدقًا.
في تلك اللحظة، أحسست أن القاعة لم تعد قاعةً وحدها، بل صارت بيتًا كبيرًا اسمه البحرين؛ كل وجهٍ فيه شاهد، وكل قلبٍ فيه عهد، وكل صمتٍ فيه كلام.
كان سلام جلالته كافيًا ليقول ما لا تقوله العبارات: إن بين القائد وشعبه عروةً لا تنفصم، ومحبةً لا تُصطنع، وعهدًا لا يتبدل. وما إن بدأ الخطاب السامي حتى انتقل الشعور من دفء اللقاء إلى سموّ المعنى؛ فإذا الكلمة ليست خطاب افتتاحٍ يُتلى، بل ميثاق وطن، وبوصلة دولة، ونداء مسؤولية.
جاءت الكلمة جامعةً لا تُقصي، راسخةً لا تلين، مضيئةً لا تلتبس؛ جمعت حكمة الدولة وهيبة الموقف، ورفق الأبوة وحزم القيادة، وذاكرة المجد ونداء المستقبل.
وحين تحدّث جلالته عن تطورات المنطقة، بدا حديثه حديث قائدٍ يرى الخطر ببصيرة، ويزن الموقف بميزان الحكمة؛ فلا فزعٌ يبدّد السكينة، ولا غفلةٌ تورث الخذلان، ولا مجاملةٌ تساوي بين سلامٍ يطلب الاستقرار وعدوانٍ يريد الإرباك والطغيان. لقد وضع جلالته الاعتداءات والتدخلات الإيرانية الآثمة في موضعها الحق؛ نهجًا انكشف للعيان، وامتحانًا لوحدة الأوطان، ودليلًا على أن السلام لا يقوم على ضعفٍ يستجدي، ولا على صمتٍ يُغري المعتدي بمزيدٍ من العدوان.
وفي مقام التقدير، ثمّن جلالته ما قامت به الحكومة، بتوجيهٍ ومتابعةٍ من صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء حفظه الله؛ إذ مضت شؤون الدولة بانتظام، واستمرت الخدمات باقتدار، وعادت الأمور إلى مسارها بثباتٍ واتزان. كما خصّ قواتنا الدفاعية والأمنية بما تستحقه من وفاء؛ فهم رجال اليقظة إذا أقبل الخطر، ورجال الثبات إذا اضطربت الأحوال، جعلوا الواجب فعلًا، والحماية عهدًا، والذود عن البحرين شرفًا في الأعناق والميدان.
ومما لامس قلبي في الكلمة السامية ذلك الوفاء الملكي لشعب البحرين؛ شعبٍ إذا أقبلت الشدائد بان أصله، وإذا نزل الامتحان ظهر فضله. شعرت، وأنا أسمع جلالته، أن حديثه عن أهل البحرين لم يكن ثناءً عامًا، بل شهادة أبٍ لأبنائه، وقائدٍ لشعبه، وملكٍ يعرف معدن رجاله ونسائه. وقف أهل البحرين صفًا لا يتصدّع، وقلبًا لا يتوزّع، وولاءً لا يتزعزع. ومن هذه القراءة العميقة لمعنى الوفاء، وتجسيدًا لرؤيته الملكية المستنيرة وحكمته في صون الروابط الوطنية، أعلن جلالته الأول من يونيو من كل عام «يوم العهد والولاء».
ولم يكن الإعلان مناسبةً تُضاف إلى التقويم فحسب، بل يومًا للذاكرة والضمير، وشاهدًا على أن العهد هنا ليس لفظًا يُقال، بل وفاءٌ يُصان، وولاءٌ يُعاش.
ومن الوفاء الداخلي إلى الوفاء الأخوي، مضى الخطاب يقدّر مواقف دولة الإمارات العربية المتحدة الشقيقة، ويثمّن وقفة دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية الشقيقة، ويؤكد الشراكة التاريخية مع الولايات المتحدة الأمريكية الصديقة والحليفة؛ في دلالةٍ على أن البحرين تحفظ العهد، وتعرف قدر الأشقاء والأصدقاء.
ثم امتد المعنى إلى عمق التاريخ، مستحضرًا سيرة الآباء والقادة، ومعلنًا أن العام القادم «عام عيسى بن سلمان»؛ وفاءً لقائدٍ أب، ورمزٍ من رموز الدولة والسيادة والنهضة. ومن هذا الجذر الراسخ، اتسع الحضور الدولي لبلادنا بعضوية مجلس الأمن، وبالقرار رقم 2817 لعام 2026؛ شاهدًا على مملكةٍ كبيرةٍ برسالتها، حاضرةٍ باتزانها، عاملةٍ للسلام والاستقرار.
وعلى الصعيد الداخلي، ردّ الخطاب العمل التشريعي إلى غايته الأرفع: جودة القانون، وكفاءة المؤسسات، وتحديث الاقتصاد، وتعزيز الاستثمار، وترسيخ الأمن الغذائي والمائي، والاستعداد لرؤية البحرين الاقتصادية المستقبلية؛ إطارًا جامعًا يصل التنمية بالاستدامة، وسياسة الدولة بتطلعات المواطنين.
خرجتُ من القاعة وأنا أشعر أنني لم أحضر افتتاح دور انعقاد فحسب، بل شهدت تجدد عهدٍ بين قائدٍ وشعب، وبين دولةٍ ومستقبل، وبين تاريخٍ راسخٍ وأملٍ لا ينقطع. تلك هي البحرين: قيادةٌ تحب شعبها، وشعبٌ يبادلها الوفاء، ودولةٌ تصون عهدها كما تُصان الأمانة في صدور الكرام. حفظ الله جلالة الملك المعظم، وأدام عزه، وحفظ مملكة البحرين ومواطنيها الكرام المخلصين، وأدام عليها أمنها وازدهارها، ورفع رايتها بالعهد والوفاء والنماء.