تعمل إيران على تعزيز دفاعاتها وحشد أنصار النظام، بالتزامن مع التهديد برد أوسع وأكثر شدة على الولايات المتحدة والخليج العربي، استعداداً لاحتمال استئناف الهجمات الأمريكية بعد انتخابات التجديد النصفي في 3 نوفمبر، وفقاً لما أوردته صحيفة «وول ستريت جورنال».

ونقلت الصحيفة عن مسؤولين إيرانيين أن طهران حذرت علناً وخلال محادثات خاصة مع مسؤولين إقليميين من أنها ستصعّد المواجهة في أنحاء الشرق الأوسط إذا شنت واشنطن ضربات جديدة. كما حذرت مسؤولين من احتمال استهداف منشآت إقليمية، بينها منشآت النفط السعودية، في حال تجدد الحرب.

وتُظهر صور الأقمار الصناعية أن إيران تعزز حماية مواقع حساسة، تشمل المنشآت النووية والمناطق الحدودية، بهدف زيادة قدرتها على الصمود أمام الهجمات. كما تعمل الحكومة على تهيئة السكان لاحتمال اندلاع مواجهة جديدة، عبر تنظيم تجمعات مؤيدة للنظام، والإعلان عن دورات تدريبية على استخدام الصواريخ المضادة للطائرات المحمولة على الكتف وبنادق القنص، وإشراك قوات شبه عسكرية في أنشطة تستهدف الأطفال.

تحصينات نووية واستعدادات عسكرية

وبحسب الصحيفة، أقامت إيران خلال الشهر الماضي تحصينات دفاعية سلبية، بينها سواتر ترابية مرتجلة حول موقعي جبل الفأس ونطنز النوويين، بهدف عرقلة أي محاولة لشن هجوم بري. واستندت هذه المعلومات إلى صور أقمار صناعية من شركة «فانتور»، حللها معهد العلوم والأمن الدولي، ومقره واشنطن.

كما استغلت طهران فترة توقف القتال المباشر، التي استمرت منذ أواخر يوليو، لإعادة بناء منشآت إنتاج الصواريخ والطائرات المسيّرة وتعويض مخزونها. وكان المرشد الإيراني مجتبى خامنئي قد أشاد بهذه الجهود مطلع سبتمبر، مع إقراره بوجود صعوبات في سلاسل الإمداد، وفق تصريحات نشرتها وسائل إعلام مرتبطة بالحرس الثوري.

وقال العميد غلام رضا جلالي، المسؤول عن خطط الطوارئ في البلاد، للصحفيين في نهاية سبتمبر إن المطارات والموانئ ومحطات الطاقة الإيرانية استعدت لظروف الحرب، من خلال تجهيز الملاجئ والإمدادات الاحتياطية لضمان استمرار العمل خلال الأزمات.

وفي الوقت نفسه، أعلن الحرس الثوري تدريب أولى وحداته النسائية الخاصة على تكتيكات حرب العصابات واستخدام الأسلحة النارية وقيادة الطائرات المسيّرة، وفق مقاطع مصورة نشرتها وحدة «فاتحين» التابعة لقوات الباسيج. كما زارت وحدة من القوات البرية للحرس الثوري روضة أطفال في مدينة سبزوار شمال شرقي إيران، وروت للأطفال قصصاً عن المعارك التي شهدتها البلاد في وقت سابق من العام، وعرضت صاروخ «توماهوك» أمريكياً قالت إنها تمكنت من تحييده.

تهديدات باستهداف القوات الأمريكية والمنشآت الخليجية

وتسعى طهران، وفق الصحيفة، إلى ردع واشنطن عن شن هجمات جديدة، في ظل محدودية قدرتها على التصدي للطائرات الأمريكية المتطورة والقاذفات التي تحلق على ارتفاعات شاهقة وصواريخ كروز. وحذر مسؤولون إيرانيون الوسطاء من أن بلادهم قد تستهدف القوات الأمريكية بصورة أكثر كثافة، بما في ذلك محاولة إغراق سفن حربية أمريكية في الشرق الأوسط وقتل أطقمها.

وكانت صواريخ إيرانية قد اقتربت من سفن حربية أمريكية خلال هجمات وقعت في سبتمبر. كما نقل البنتاغون الأسبوع الماضي نحو 12 قاذفة من طراز «بي-1» من قاعدة عسكرية بريطانية، وسط مخاوف من أن الحرس الثوري كان يخطط لهجوم بالطائرات المسيّرة.

وتزامنت هذه التطورات مع تصاعد المخاطر على المنشآت الاقتصادية في الخليج. فقد أعلنت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية تعرض ثلاث سفن تجارية على الأقل لهجمات خلال عطلة نهاية الأسبوع في مضيق هرمز ومحيطه. كما تسبب هجوم بطائرة مسيّرة في اندلاع حريق على ناقلة النفط الإماراتية «بترو دولفين» قبالة سواحل عُمان، الأحد، فيما فُقد بحاران هنديان.

وفي هجوم منفصل، أطلق مسلحون من ميليشيا الحوثي الإرهابية المدعومة من إيران صواريخ على مطار الرياض، السبت، ما أسفر عن مقتل 13 شخصاً على الأقل وإصابة مئات آخرين، وفقاً لما أوردته الصحيفة، التي وصفت الهجوم بأنه الأكثر دموية ضد الولايات المتحدة أو الخليج ضمن النزاعات المرتبطة بالحرب مع إيران.

وتسلط هذه الهجمات الضوء على هشاشة الأهداف الاقتصادية الرئيسية في المنطقة، في حال قرر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب استئناف العمليات العسكرية.

واشنطن تعزز وجودها العسكري

في المقابل، تستعد الولايات المتحدة لاحتمال العودة إلى القتال. وذكرت «وول ستريت جورنال» أن مجموعة حاملة طائرات هجومية ثالثة ووحدة أخرى من مشاة البحرية تتجهان إلى الشرق الأوسط، فيما يدرس البنتاغون إرسال مزيد من معدات الدفاع الجوي والذخائر إلى قواعده في المنطقة.

ورغم أن ترامب استبعد الأسبوع الماضي شن هجوم على إيران قبل انتخابات التجديد النصفي المقررة في 3 نوفمبر، فإنه تحدث علناً عن إمكانية استهداف منشأة جبل الفأس النووية. كما أفاد مسؤولون أمريكيون بأن الجيش يجهز مجموعة من الخيارات لتنفيذ ضربات جديدة.

وكان ترامب قد أوقف في أواخر يوليو خططاً لتصعيد عسكري كبير، جزئياً بسبب المخاوف من تراجع مخزونات صواريخ الاعتراض اللازمة لحماية الأهداف في أنحاء المنطقة، بحسب الصحيفة. ومنذ ذلك الحين، ظل القتال المباشر بين واشنطن وطهران متوقفاً إلى حد كبير، فيما يسعى الطرفان إلى تعزيز قدراتهما بدلاً من التراجع عن مواجهة لم تحسم نتيجتها بعد أكثر من سبعة أشهر.

الضغوط الاقتصادية وتعبئة الداخل الإيراني

إلى جانب الاستعدادات العسكرية، تستخدم طهران خطاباً تصعيدياً في وقت تتزايد فيه معاناة الإيرانيين الاقتصادية، مع تشديد العقوبات الأمريكية والضغط على شركات الطيران لوقف رحلاتها إلى البلاد، بما يعزز القيود المفروضة عليها.

وقالت سنم وكيل، مديرة برنامج الشرق الأوسط في مركز «تشاتام هاوس» البحثي بلندن، إن الاستعداد للحرب يخدم السلطات الإيرانية في ظل الجمود الدبلوماسي والاقتصادي والسياسي، مضيفة أن حرباً جديدة قد تتيح لإيران الخروج من المأزق الذي وجدت نفسها فيه.

وفي الشوارع الإيرانية، تبث وسائل الإعلام الرسمية يومياً مشاهد لتجمعات مؤيدة للنظام، يقول سكان إنها أصبحت أكبر وانتشرت في مواقع أكثر خلال الأسابيع الأخيرة. وقال رجل دين شارك في إحدى المظاهرات إنه يتوقع استئناف الحرب وانتصار إيران، معتبراً أن فشل الدبلوماسية لم يترك لبلاده خياراً سوى القتال.

وقال بهنام بن طالبو، المدير الأول لبرنامج إيران في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، وهي مؤسسة بحثية في واشنطن، إن طهران تستعد فعلياً للحرب المقبلة قولاً وفعلاً، مشيراً إلى أن إجراءاتها تجمع بين محاولة ردع الخصوم والتخطيط العسكري للمواجهة.