تحولت دورة معرض باريس للسيارات هذا العام إلى منصة بارزة لشركات السيارات الصينية، التي استعرضت أحدث تقنياتها وخططها للتوسع في أوروبا، وسط منافسة متصاعدة مع المصنعين الأوروبيين ومخاوف متزايدة بشأن الوظائف والصناعة المحلية، وفقاً لصحيفة «وول ستريت جورنال».

وشاركت نحو 20 علامة صينية في المعرض، أي ما يعادل ثلث العلامات المشاركة، مقارنة بتسع علامات فقط في الدورة السابقة قبل عامين. وجاءت الشركات الصينية في المرتبة الثانية من حيث عدد العلامات بعد الشركات الأوروبية، بينما اقتصر الحضور الأمريكي على ثلاث علامات هي «تسلا» و«فورد» و«لوسيد».

واستعرضت شركة «لي أوتو» الصينية سيارة فاخرة بمقاعد أمامية للتدليك وشاشة قياس 21 بوصة للركاب في الخلف، إلى جانب وحدة في الكونسول الوسطي تحافظ على برودة مشروبات الطاقة أو دفء القهوة.

أما «بي واي دي»، أكبر علامة للسيارات الكهربائية مبيعاً في العالم، فكشفت عن سيارة رياضية متعددة الاستخدامات مخصصة للسوق الأوروبية، قادرة على شحن جزء كبير من بطاريتها خلال خمس دقائق.

بدورها، استعرضت «إكس بينغ» اختباراً لتقنيات القيادة الذاتية أجرته حول قوس النصر في باريس، حيث قال رئيسها التنفيذي هي شياوبنغ إن اجتياز الدوار المحيط بالنصب، وسط حركة المرور المعقدة، كان تحدياً صعباً. وأُجري الاختبار بسيارة مجهزة بالتقنيات وتحت إشراف سائق.

مزايا فاخرة وأسعار تنافسية

ساهمت الشركات الصينية في زيادة الزخم الجماهيري للمعرض مقارنة بمعارض سيارات أمريكية حديثة في ديترويت ولوس أنجلوس، إذ احتشد الزوار حول منصات إطلاق السيارات الجديدة، فيما عقد المصنعون مؤتمرات صحفية متتالية، بعضها تزامن مع مؤتمرات أخرى.

وقال مستشار صناعة السيارات الأمريكي آدم برنارد إن الشركات الصينية لا تسعى إلى بيع سياراتها في أوروبا فحسب، بل تريد أيضاً أن يُنظر إليها باعتبارها شركات مسؤولة وفاعلة في المجتمعات التي تعمل فيها.

وتتسارع مبيعات السيارات الصينية في أوروبا بفضل الجمع بين التجهيزات المتقدمة والأسعار التنافسية. وبلغت حصتها 11.3% من إجمالي مبيعات السيارات خلال الأشهر الثمانية الأولى من العام حتى أغسطس، مقارنة بـ7.1% خلال الفترة نفسها من العام الماضي.

وتشكل هذه المنافسة أحد العوامل وراء موجة خفض الوظائف لدى شركات السيارات الأوروبية، كما أثارت قلق القيادات السياسية وسرّعت المفاوضات بين الاتحاد الأوروبي والصين بشأن التجارة.

اتفاق تجاري أوروبي صيني وسط مخاوف من الواردات

توصل الاتحاد الأوروبي والصين، الجمعة، إلى اتفاق قالت بروكسل إنه قد يخفض واردات السيارات الهجينة الصينية إلى النصف. وأوضح مسؤولون أوروبيون، الاثنين، أن الاتحاد سيفرض حصة سنوية تبلغ 350 ألف سيارة في السنة الأولى، على أن ترتفع بنسبة 6% سنوياً خلال السنوات الثلاث التالية.

وقال مفوض التجارة الأوروبي ماروش شيفتشوفيتش إن العجز التجاري يمثل تحدياً ضخماً للاتحاد الأوروبي.

وتعتمد الواردات الصينية إلى أوروبا بدرجة كبيرة على علامات تابعة لخمس مجموعات رئيسية، هي «بي واي دي» و«شيري أوتوموبيل» و«سايك موتور» و«جيلي أوتوموبيل» و«ليب موتور»، التي توسع وجودها الأوروبي عبر مشروع مشترك مع شركة «ستيلانتيس»، المالكة لعلامة «جيب».

وتسعى شركة «شانجان أوتوموبيل»، المملوكة للدولة ورابع أكبر شركة سيارات في الصين، إلى السير على النهج نفسه. وتستهدف بيع 1.5 مليون سيارة خارج الصين بحلول عام 2030، أي أكثر من ضعف إجمالي مبيعاتها الخارجية في العام الماضي. كما تطمح إلى بيع 100 ألف سيارة في أوروبا العام المقبل، مقارنة بهدف سابق بلغ 30 ألف سيارة في 2026.

وقال كلاوس تسيكيورا، المستشار التنفيذي العالمي للشركة، إن «شانجان» تضع أهدافاً طموحة.

الصين تستهدف سوق السيارات الفاخرة

لا تقتصر طموحات الشركات الصينية على السيارات الاقتصادية والكهربائية، بل تمتد إلى سوق السيارات الفاخرة التي طالما هيمنت عليها العلامات الأوروبية.

وأعلنت علامة «آيتو»، التابعة لمجموعة «سيريس»، اعتزامها دخول السوق الأوروبية في خريف عام 2027، تحت شعار «الذكاء يعيد تعريف الفخامة».

وقال كليفورد كانغ، عضو مجلس إدارة «سيريس»، إن الشركات الصينية معروفة بكفاءتها في خفض التكاليف، وإن إقناع المستهلكين بقدرتها على تقديم سيارات فاخرة سيستغرق وقتاً، لكنه أعرب عن ثقته في تحقيق ذلك.

وفي المقابل، حاول الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إبراز الهوية الأوروبية للمعرض، إذ أبدى إعجابه بنموذج أولي كهربائي بالكامل من سيارة «سيتروين 2CV» الكلاسيكية، التي شكلت جزءاً من مشهد الشوارع الأوروبية خلال حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية.

وتعتمد شركات أوروبية عريقة، بينها «ستيلانتيس» المالكة لـ«سيتروين»، على إرثها التاريخي في مواجهة موجة الشركات الصينية الناشئة التي تدخل السوق بتقنيات جديدة.

الولايات المتحدة تتحصن من المنافسة الصينية

في الولايات المتحدة، لا تزال السيارات الصينية تواجه قيوداً واسعة بفعل الرسوم الجمركية المرتفعة والقيود المتعلقة بالبرمجيات، فيما يناقش الكونغرس تشريعاً لحظرها.

لكن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب كرر الشهر الماضي أنه سيرحب بدخولها إذا جرى تصنيعها محلياً، وهو موقف أثار مخاوف قطاع السيارات الأمريكي.

وقال جون بوزيلا، رئيس تحالف ابتكار السيارات، أكبر مجموعة تمثل صناعة السيارات الأمريكية، إن التجربة الأوروبية تمثل تحذيراً للولايات المتحدة، مضيفاً أن صانعي السياسات الأمريكيين يحاولون معالجة القضية منذ البداية.

وكانت العلامات الصينية قد استفادت من ثغرة غير مقصودة في السياسات الأوروبية، بعدما استثنى الاتحاد الأوروبي السيارات الهجينة القابلة للشحن من الرسوم الإضافية التي فرضها عام 2024 على السيارات الكهربائية الصينية. ودفعت هذه الخطوة الشركات الصينية إلى التركيز على الطرازات الهجينة، التي جذبت مستهلكين يبحثون عن كفاءة استهلاك الوقود دون التخلي عن المرونة في الاستخدام.

وتتردد دول أوروبية في إغلاق أسواقها أمام الصين بالكامل، خشية اتخاذ بكين إجراءات انتقامية، خصوصاً أن اقتصادات القارة تعتمد على الصادرات بدرجة أكبر من الولايات المتحدة.

وقال وزير الأعمال البريطاني جوناثان رينولدز إن عليه ضمان حماية أسواق التصدير البريطانية. وشهدت المملكة المتحدة، مثل الاتحاد الأوروبي، تدفقاً للسيارات الصينية، حتى إن طرازاً من علامة «جايكو» التابعة لـ«شيري» أصبح السيارة الأكثر مبيعاً في البلاد خلال سبتمبر.

«في أوروبا ومن أجل أوروبا»

تتجه شركات صينية بصورة متزايدة إلى توطين الإنتاج داخل أوروبا لتفادي الرسوم الجمركية وتحسين علاقاتها مع الحكومات والأسواق المحلية. ورفعت عدة شركات شعار «في أوروبا ومن أجل أوروبا» خلال المعرض، في إشارة إلى خططها لتوسيع التصنيع داخل القارة.

وفي حفل أقيم مساء الأحد داخل متحف فني عائم على نهر السين، التقى مسؤولون تنفيذيون في القطاع وتبادلوا الأحاديث وسط المشروبات وموسيقى الجاز، بينما واصل سكان باريس ممارسة أنشطتهم على ضفاف النهر.

وقال أليكس نان، نائب رئيس «جيلي أوتو»، إن العولمة بالنسبة إلى الشركة ليست سباقاً فردياً قصيراً، بل «ماراثون نخوضه جنباً إلى جنب مع شركائنا».