كشفت مراجعة موسعة أجرتها وكالة «رويترز» أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب منح عفواً أو تخفيفاً للعقوبات لما لا يقل عن 85 مسؤولاً عاماً واجهوا اتهامات أو إدانات مرتبطة بالفساد، خلال فترتيه الرئاسيتين، في إجراءات أثارت مخاوف قانونية وسياسية بشأن المساءلة وتكافؤ تطبيق القانون.

وأظهرت المراجعة أن الغالبية الساحقة من المستفيدين كانوا جمهوريين أو من المؤيدين البارزين لحركة «ماغا» التي يتزعمها ترامب. وشملت القائمة 36 مسؤولاً انتُخبوا عن الحزب الجمهوري، و19 آخرين عُيّنوا في مناصب سياسية بصفتهم جمهوريين، إضافة إلى تسعة أشخاص سبق أن دعموا ترامب انتخابياً أو أعلنوا تأييدهم لأجندته. ولم يُعرف سوى أربعة ديمقراطيين ضمن القائمة، فيما تعذر تحديد الانتماء السياسي لـ17 مسؤولاً آخرين.

وضمت القائمة ما لا يقل عن 11 عضواً من أصل 15 جمهورياً في الكونغرس أُدينوا بمخالفات خلال العقدين الماضيين، إلى جانب مستشارين لترامب ومسؤولين في وزارة العدل وحكام ولايات وأعضاء مجالس تشريعية وقضاة ومسؤولين محليين.

عفو عن مسؤولة أنفقت تبرعات لأغراض شخصية

ومن أبرز الحالات ميشيل فيوري، المسؤولة المحلية في ولاية نيفادا والمؤيدة بشدة لترامب، التي أدانتها هيئة محلفين اتحادية في لاس فيغاس في أكتوبر 2024 بسبع تهم تتعلق بالاحتيال في جمع التبرعات الخيرية.

وخلصت هيئة المحلفين إلى أن فيوري جمعت أموالاً لإقامة نصب تذكاري لشرطي قُتل أثناء أداء واجبه، ثم أنفقت نحو 80 ألف دولار منها على جراحات تجميلية وحفل زفاف ابنتها والإيجار. واستغرقت المداولات أقل من ساعتين، بما في ذلك استراحة الغداء.

وقبل أسابيع من موعد النطق بالحكم العام الماضي، منحها ترامب عفواً كاملاً وغير مشروط، ما جنبها احتمال السجن لعقود والغرامات الجنائية وإعادة الأموال إلى المتبرعين.

وقال البيت الأبيض حينها إن فيوري دعمت الرئيس، وإن المدعين في عهد جو بايدن استهدفوها بسبب آرائها المحافظة الصريحة. لكن فيوري أكدت في رسالة إلى «رويترز» براءتها، وكتبت أنها لم تأخذ أي مبلغ من التبرعات لاستخدامه الشخصي، ورفضت الإجابة عن أسئلة تفصيلية بشأن القضية ومسيرتها.

وعلى الرغم من إدانتها والعفو عنها، لا تزال فيوري تتقاضى راتبها بصفتها قاضية صلح في مقاطعة ناي بولاية نيفادا. ووفق أرقام المقاطعة، ستبلغ قيمة الرواتب والمزايا التي حصلت عليها منذ توجيه الاتهام إليها 252,536 دولاراً بحلول نهاية ولايتها في يناير.

إعفاءات وفّرت سنوات من السجن وملايين الدولارات

قدّرت «رويترز» أن قرابة ثلاثة أرباع المسؤولين الـ85 استفادوا من العفو أو تخفيف العقوبات للخروج المبكر من السجن أو تفادي المحاكمة أو الحكم أو استعادة بعض الحقوق، مثل أهلية امتلاك الأسلحة النارية.

ووجدت المراجعة أن الإجراءات جنبت هؤلاء مجتمعين نحو 130 عاماً من السجن، وأعفتهم من دفع غرامات وعقوبات مالية تتجاوز 15 مليون دولار. كما واصل أكثر من نصف المستفيدين نشاطهم السياسي، سواء في مناصب عامة أو من خلال دعم ترامب وأجندته علناً.

وقال فيليب هالبرن، المدعي العام الأمريكي المساعد المتقاعد في سان دييغو، الذي تولى محاكمة عضوين جمهوريين سابقين في الكونغرس شملهما عفو ترامب، إن الرئيس «يحاول إنهاء المساءلة عن المسؤولين العامين»، محذراً من أن ذلك يرسخ معياراً يشجع الفساد ويسمح بانتشاره.

ويرى أكثر من 12 مدعياً عاماً حالياً وسابقاً، إلى جانب خبراء قانونيين وباحثين سياسيين تحدثوا إلى الوكالة، أن تكرار العفو عن مسؤولين متهمين أو مدانين بالفساد يهدد مبدأ خضوع الجميع للقانون، وقد يشجع مسؤولين آخرين على ارتكاب مخالفات، خصوصاً عندما يُنظر إلى العفو باعتباره قائماً على الانتماء الحزبي أو المصالح الشخصية.

في المقابل، دافع مسؤولون في الإدارة الأمريكية عن صلاحيات الرئيس الدستورية في منح العفو. وقالت المتحدثة باسم البيت الأبيض لورين بيس إن ترامب يعفو عن «العديد من الأمريكيين الذين تعرضوا للملاحقة القضائية ظلماً» من جانب وزارة العدل في عهد بايدن.

تراجع دور وزارة العدل في قضايا الفساد

أشارت «رويترز» إلى أن نهج ترامب في العفو تزامن مع تغييرات أضعفت، بحسب مصادر وخبراء، بعض أدوات الحكومة الاتحادية لمكافحة الفساد.

وشملت هذه التغييرات تقليص وحدة النزاهة العامة في وزارة العدل، وهي وحدة أُنشئت عقب فضيحة ووترغيت لمكافحة الفساد والحد من تسييس القضايا الجنائية. وقال أربعة أشخاص مطلعين على عمل الوحدة إن عدد المدعين العاملين فيها بدوام كامل انخفض من نحو 30 في نهاية إدارة بايدن إلى اثنين فقط، بعد استقالة عدد من كبار المدعين وانتقال آخرين إلى أقسام أخرى.

وكان أكثر من نصف المسؤولين الواردة أسماؤهم في مراجعة «رويترز» قد وُجهت إليهم اتهامات أو صدرت بحقهم إدانات في قضايا شاركت الوحدة في ملاحقتها.

كما أغلق مدير مكتب التحقيقات الاتحادي «إف بي آي» كاش باتيل، العام الماضي، فريقاً متخصصاً في قضايا الفساد، وفصل بعض المحققين العاملين فيه. ولم يرد المكتب على طلبات الوكالة للتعليق.

وقالت المتحدثة باسم وزارة العدل أودري كوك إن الوزارة لا تزال ملتزمة بالتحقيق في الفساد العام وملاحقته قضائياً عندما تسمح الأدلة والقانون بذلك، مضيفة أن استخدام الرئيس لصلاحية العفو لا يغير القانون ولا يمنح أحداً ترخيصاً بارتكاب جرائم.

عفو عن مسؤولين آخرين أثار اعتراضات جمهورية

وتضمنت الحالات التي استعرضتها الوكالة حاكم ولاية إلينوي السابق رود بلاجوفيتش، الديمقراطي الذي أُدين بجرائم شملت محاولة بيع مقعد في مجلس الشيوخ أصبح شاغراً بعد انتخاب باراك أوباما رئيساً. وبعد حصوله على تخفيف للعقوبة ثم عفو من ترامب، عاد بلاجوفيتش إلى نشاطه في مجال الضغط السياسي، وقال لـ«رويترز» إنه مستعد لفعل «أي شيء تقريباً» يطلبه منه الرئيس.

كما شمل العفو جون رولاند، الحاكم الجمهوري السابق لولاية كونيتيكت، الذي سبق أن قضى عقوبة بالسجن في قضية هدايا غير قانونية، ثم حُكم عليه بالسجن مجدداً بسبب إخفاء مدفوعات مرتبطة بعمل استشاري لحملات انتخابية. وانتقد النائب الجمهوري السابق كريستوفر شايس العفو عنه، محذراً من أن اعتقاد المسؤولين بإمكانية الإفلات من العقاب سيؤدي إلى مزيد من الفساد.

وفي ولاية تينيسي، عفا ترامب عن رئيس مجلس النواب السابق غلين كاسادا ومساعده كيد كوثري، اللذين أُدينا في قضية تتعلق بتوجيه أموال حكومية إلى شركة يديرها كوثري باسم مستعار، مقابل رشاوى ومدفوعات غير مشروعة. وجاء العفو بعد تحرك مغني موسيقى الريف جون ريتش، المعروف بتأييده لترامب، لصالحهما.

وأثار القرار اعتراضات حتى بين جمهوريين بارزين في الولاية. وقال نائب حاكم تينيسي راندي ماكنالي لـ«رويترز» إنه فوجئ بالعفو وبالتصريحات التي وصفت الرجلين بأنهما بريئان، مؤكداً أن المسؤولين المنتخبين ينبغي أن يخضعوا لمعايير أعلى.

عفو عن ديمقراطي ثم خلاف مع ترامب

وفي حالة أخرى، عفا ترامب في ديسمبر 2025 عن النائب الديمقراطي عن ولاية تكساس هنري كويلار وزوجته، بعدما وُجهت إليهما اتهامات بقبول نحو 600 ألف دولار من الرشاوى من شركة طاقة أذربيجانية وبنك مكسيكي.

وقال ترامب حينها إن كويلار استُهدف بسبب حديثه عن مشكلات في سياسات الحدود خلال إدارة بايدن. لكن النائب أعلن لاحقاً ترشحه لإعادة انتخابه عن الحزب الديمقراطي، ما أثار غضب الجمهوريين، وهاجمه ترامب علناً ووصفه بأنه غير مخلص وغير ممتن.

وخلصت «رويترز» إلى أن العفو عن مسؤولين متهمين أو مدانين بالفساد لا يقتصر أثره على العقوبات الفردية، بل يثير تساؤلات بشأن استقلال ملاحقات الفساد ومدى خضوع المسؤولين للمساءلة، في وقت تتزايد فيه المخاوف من تراجع دور المؤسسات الاتحادية المعنية بهذه القضايا.