كشف تقرير عالمي جديد للأمن السيبراني أن 84% من ضحايا هجمات برامج الفدية الذين شملهم الاستطلاع تعرضوا لهجمات استُخدم فيها الذكاء الاصطناعي، فيما أفاد 44% بأن المهاجمين استغلوا أنظمة الذكاء الاصطناعي الخاصة بمؤسساتهم لتنفيذ الهجمات.
وأظهر تقرير مخاطر برامج الفدية لعام 2026، الصادر عن شركة الأمن السيبراني «سيمبيريس» (Semperis)، أن مجرمي الإنترنت باتوا يوظفون الذكاء الاصطناعي لتعزيز قدراتهم التقنية، وتوسيع نطاق هجماتهم، وزيادة الضغط على المؤسسات المستهدفة.
واستند التقرير إلى استطلاع شمل 1200 متخصص في تكنولوجيا المعلومات والأمن السيبراني في 9 دول و8 قطاعات صناعية، كاشفاً عن تصاعد الهجمات وتزايد آثارها على المؤسسات والعاملين فيها.
هجمات متكررة وتهديدات تطال الموظفين
وبحسب التقرير، تعرض 69% من ضحايا هجمات الفدية لهجمات ناجحة متعددة خلال العام السابق، فيما دفعت 59% من الجهات المستطلعة فدية مرة واحدة على الأقل. كما شهدت 87% من المؤسسات هجمات استهدفت أنظمة الهوية الرقمية، المسؤولة عن إدارة صلاحيات الوصول إلى شبكاتها.
ولم تقتصر الأضرار على الأنظمة والبيانات، إذ واجه أكثر من ثلث الضحايا تهديدات نفسية أو جسدية استهدفت الموظفين، بينما أفادت 14% من المؤسسات بأن بعض الموظفين أو أفراد أسرهم اضطروا إلى تغيير وظائفهم أو مواقع عملهم أو أماكن إقامتهم نتيجة التهديدات المستمرة.
هجمات فدية ذاتية التنفيذ
وقال كريس إنغليس، المدير الوطني السابق للأمن السيبراني في البيت الأبيض خلال إدارة الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن، إن الذكاء الاصطناعي يمثل نقطة تحول في القدرات المتاحة لمجرمي الإنترنت، محذراً من أن الهجمات الذاتية التنفيذ، بما فيها هجمات الفدية، أصبحت جزءاً من المشهد الحالي.
وأوضح إنغليس، في مقابلة تناولت التقرير، أن الذكاء الاصطناعي يزيد قدرة المهاجمين على اكتشاف نقاط الضعف في الأنظمة، ويتيح لهم تطوير أساليب أكثر تعقيداً لاستدراج الضحايا أو اختراق شبكاتهم.
وأضاف أن خبرته الممتدة ثلاثة عقود في متابعة تطور التقنيات داخل وكالة الأمن القومي الأمريكية أظهرت تراجع الحاجة إلى التدخل البشري المباشر في تنفيذ الهجمات، بعدما كانت هذه الإمكانات تبدو أقرب إلى التصورات النظرية.
وقال إنغليس إن الذكاء الاصطناعي وسّع دائرة الأشخاص القادرين على شن هجمات تقنية، موضحاً أن شخصاً يفتقر إلى الخبرة اللازمة لاختراق شبكة مؤسسة يمكنه الاستعانة بأدوات الذكاء الاصطناعي لكتابة الشيفرات المطلوبة واستهداف بيانات الشركة واحتجازها مقابل فدية.
وأضاف أن إتاحة هذه الأدوات، حتى في النماذج الأقل تطوراً، تتيح لمزيد من المهاجمين تنفيذ عمليات معقدة، كما تساعد المجرمين ذوي الخبرة على اختراق الشبكات بكفاءة أكبر وعلى نطاق أوسع.
الذكاء الاصطناعي يغيّر أساليب هجمات الفدية
اعتمدت هجمات الفدية تقليدياً على استغلال الثغرات الأمنية، واختراق الشبكات، وتشفير البيانات، ثم مطالبة الضحايا بدفع الأموال لاستعادة الوصول إلى ملفاتهم أو منع نشر معلوماتهم الحساسة. لكن التقرير يشير إلى دخول الذكاء الاصطناعي في هذه العملية في أكثر من 8 هجمات من كل 10.
ويمكن لهذه التقنية، بحسب إنغليس، أن تساعد المهاجمين على اكتشاف نقاط الضعف بسرعة، وتصميم رسائل احتيالية تستهدف موظفين محددين، وأتمتة عمليات الاختراق، وتعديل أساليب الهجوم مع استجابة فرق الدفاع السيبراني.
وأكد إنغليس أن الهدف الأساسي لمجرمي الإنترنت لم يتغير، إذ يسعون إلى استغلال البيانات والأنظمة التي تحرص المؤسسات على حمايتها، واستخدام الأدوات المتاحة لإبقائها تحت التهديد ودفع أصحابها إلى تسديد الأموال.
من جانبه، حذّر تومر بار، نائب رئيس قسم أبحاث الأمن في «سيمبيريس»، من أن الذكاء الاصطناعي قد يساعد مطوري برامج الفدية على إنتاج شيفرات خبيثة أكثر تطوراً، وتقليص وقت تطويرها، وجعل التحقيقات الأمنية أكثر صعوبة.
وقال بار إن الهجمات تشهد تطوراً أسرع، ما قد يعقّد مهمة جهات إنفاذ القانون في تحديد المسؤولين عنها، مضيفاً أن المهاجمين قد يتمكنون أيضاً من تقليل الأخطاء في خوارزميات تشفير الهجمات من خلال اختبار شيفراتهم باستخدام النماذج اللغوية الكبيرة.
أنظمة الذكاء الاصطناعي قد تتحول إلى نقطة اختراق
ومن أبرز نتائج التقرير أن 44% من الضحايا تعرضوا لهجمات استغلت وكلاء الذكاء الاصطناعي أو الأنظمة التابعة لمؤسساتهم، وهو ما يثير مخاوف بشأن المخاطر الأمنية المصاحبة للتوسع في دمج هذه التقنيات داخل الشركات والجهات الحكومية.
وحذّرت كورتني غاس، نائبة رئيس إدارة الأزمات في «سيمبيريس»، من أن وكلاء الذكاء الاصطناعي المستقلين قد يشكلون مخاطر أمنية عندما يحاولون الحصول على صلاحيات إضافية أو التفاعل مع أنظمة مؤسسية حساسة.
وكتبت غاس في التقرير أن المؤسسات التي تعتمد هذه الوكلاء ينبغي أن تتوقع احتمال محاولتهم الوصول إلى أنظمة الهوية الرقمية، حتى عندما لا يكون الهدف خبيثاً، لأنهم يسعون إلى إنجاز المهام الموكلة إليهم بأي وسيلة متاحة.
وأوضحت أن أحد المسارات التي قد يلجأ إليها الوكيل لتوسيع قدراته هو الحصول على صلاحيات لأنظمة أخرى، وقد يكون الطريق الأسرع إلى ذلك اختراق نظام الهوية، بما يمنحه صلاحيات واسعة تمكّنه من تنفيذ المهام. وحذّرت من أن هذا السلوك قد يحوّل الوكيل إلى مصدر خطر مستمر على المؤسسة.
وعلى خلاف البرامج التقليدية، تستطيع بعض وكلاء الذكاء الاصطناعي استخدام تطبيقات متعددة في الوقت نفسه واتخاذ قرارات نيابة عن المستخدمين. وإذا تمكن مهاجم من التلاعب بأحد هذه الوكلاء أو السيطرة على بيانات الاعتماد والصلاحيات التي يستخدمها، فقد يجد طريقاً إضافياً للتوغل داخل أنظمة المؤسسة.
الحل في تعزيز الدفاعات لا التخلي عن الذكاء الاصطناعي
في المقابل، حذّر إنغليس من افتراض أن استخدام الذكاء الاصطناعي يجعل المؤسسة بالضرورة أكثر عرضة للاختراقات الخارجية. وأشار إلى أن المهاجمين يستخدمون منذ سنوات الأدوات والبيانات الموجودة داخل الشبكات التي يخترقونها، بهدف التحرك دون إثارة الانتباه، مضيفاً أنهم سيلجؤون إلى أدوات الذكاء الاصطناعي إذا كانت متاحة داخل بيئة المؤسسة.
ورأى أن نقاط الضعف التي تسمح للمهاجمين بالدخول غالباً ما تكون موجودة قبل استخدام هذه التقنيات، ومرتبطة بإخفاق المؤسسات في ضبط الوصول إلى شبكاتها وأنظمتها الرقمية.
ودعا إنغليس المؤسسات إلى توظيف الذكاء الاصطناعي في مواجهة التهديدات بدلاً من التخلي عنه بسبب المخاطر، قائلاً: «يجب عليك استخدام الذكاء الاصطناعي لمواجهة هذا التهديد، كما يجب عليك استخدامه لأغراض دفاعية فعّالة».