نظّمت المؤسسة الملكية للأعمال الإنسانية، يوم السبت الماضي، بحضور 250 مشاركاً من داخل مملكة البحرين وخارجها، ملتقى «أسرتنا» تحت شعار «نلتقي لنطمئن»، في لقاء إنساني أسري معبّر، جمع نخبة من المختصين والمهتمين بالشأن الأسري من داخل البحرين وخارجها، في مساحة رحبة وجميلة، استُعرضت خلالها مجموعة من التجارب الأسرية المُلهِمة، وتبادل المشاركون التجارب والحوارات التي تلامس الواقع الأسري وتفاصيل حياتنا اليومية.

لقد أبدعت المؤسسة في اختيار عنوان الملتقى، وأبدعت في أسلوب طرحه الذي يُحاكي القصص المُلهِمة بعيدًا عن فلسفة العروض. فقد استعرض الدكتور أسامة بحر، صاحب تجربة «عوايدنا»، بإتقان، الهوية البحرينية من خلال تجربته في هذا المشروع، وركّز على أهمية تعزيز القيم الوطنية داخل الأسرة، وتعليم الأبناء مبادئ «السنع»، الذي هو أساس البناء الأخلاقي لأفراد الأسرة.

أما الدكتورة أحلام القاسمي، فقد تحدثت عن دور الإعلام الحديث في الترابط الأسري، وسلّطت الضوء على تأثير الإعلام الرقمي في الهوية الذاتية والثقافية للأبناء، وأبرزت في حديثها أهمية تعزيز السلوك الوالدي داخل الأسرة والقدوة الحسنة، من خلال تنظيم استخدام الشاشات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي، وإعطاء أهمية أكبر للتواصل الأسري المباشر.

أما الأستاذ خالد اليافعي، من دولة قطر الشقيقة، فقد تحدث عن البيوت السعيدة، وعزز مفاهيم المودة والرحمة، وتحويل القيم إلى سلوك يومي، وتعزيز الحوار الأسري المباشر في حل المشكلات الأسرية.

أما الدكتور عثمان العصفور، من دولة الكويت الشقيقة، الذي استعرض تجربته خلال الغزو العراقي للكويت في عام 1990، وكيف نجا من موت محقق، فقد سرد قصة كفاح وتحدٍّ وصمود وصبر، من أجل الوصول إلى التعافي الحقيقي والتشافي، وإدراك معاني الحياة الحقيقية، وصولاً إلى أن أصبح معالجاً نفسياً للآخرين، مستفيداً مما تعلّمه من تجربته.

أما الشاب الأستاذ أحمد المهنا، فقد استعرض رحلة كفاحه من الصمت إلى الإلهام، حيث أصبح رئيساً تنفيذياً لشركة «رويداً» لعلاج التأتأة، بما فتح الله عليه من قدرات وأسلوب جميل وتجربة مُلهِمة، أهّلته ليكون مدرباً لمن يعانون من التأتأة، ومُلهماً لمن يعانون من التأخر في التعافي من مشكلاتهم الحياتية.

فيما اختتمت الأستاذة سناء الغواص حكايات الملتقى باستعراض تجربتها كأم، وكيف حوّلتها إلى مشروع رياضي لتدريب الأشخاص ذوي اضطراب طيف التوحد.

جميل أن نجتمع لنتحدث عن الطمأنينة، وجميل أن يتشارك الجميع في الحوار من أجل بيئة أكثر إيجابية وطمأنينة، تساعد أفرادها على أن يكونوا لبنات خير في المجتمع، يسهمون في ازدهاره وتنميته وتعزيز قيم العطاء فيه. فالبيوت لا تُبنى بالكلمات فحسب، بل بالمواقف اليومية المعززة للخير، والحوار، وحسن التعامل، ومكارم الأخلاق الحميدة، والرحمة والمودة.

وحين نتأمل واقع حياتنا اليوم، نجد أن كثيراً من البيوت لا ينقصها ما يحقق الرفاهية المادية، بقدر ما تحتاج إلى دفء المشاعر، وصدق الاحتواء، وجمال الكلمة، ومساحات الأمان التي تسمح لكل فرد بأن يعبر عن مشاعره دون خوف، وأن يجد من يسمعه دون أحكام مسبقة، ومن يقف إلى جانبه حين تشتد عليه تقلبات الحياة.

إن نجاح «ملتقى أسرتنا» إنما هو نجاح لاستراتيجية المؤسسة الملكية للأعمال الإنسانية في تعزيز أدوارها المجتمعية وانتشارها في المجتمع، وتعزيز شراكاتها مع المختصين في الشأن الأسري. فإنسانية المؤسسة التي تبنّى رعايتها حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، ملك البلاد المعظم، حفظه الله ورعاه، الرئيس الفخري للمؤسسة، وشجّع مُبادراتها سمو الشيخ ناصر بن حمد آل خليفة رئيس مجلس أمناء المؤسسة الملكية للأعمال الإنسانية، هي إنسانية تُحمّل كل فرد يعمل تحت مظلتها مسؤولية جسيمة، بأن يكون سفيراً لقيمها، وناشراً للمبادئ التي تعمل من أجلها. فهي رسالة تُحاكي المجتمع بأسره، سواء الأبناء والأمهات الذين ترعاهم المؤسسة، أو كل أسرة في البحرين تعشق أن تعيش مطمئنة، وتربي أبناءها على الخير. فاحتفاء المؤسسة بالنجاح الكبير الذي حققه الملتقى، من خلال الأصداء الواسعة التي أعقبت تنظيمه من المشاركين والمختصين والمحاضرين الذين أجادوا في أطروحاتهم وعرض تجاربهم الحياتية المُلهِمة، ليس احتفاءً وقتياً، بقدر ما هو رسالة مجتمعية ثرية للاهتمام الأكبر بالأسرة في ظل التحديات والتطورات الرقمية المتسارعة التي سرقت منا أجمل اللحظات في الكثير من تفاصيل حياتنا الأسرية. إن نجاح «ملتقى أسرتنا» هو نجاح يبدأ أثره بعد الملتقى، من خلال تحويل مبادئ ميثاقه وتوصياته إلى سلوك حقيقي داخل كل بيت بحريني.

لقد حقق الملتقى أصداءً مجتمعية واسعة، وأثار تفاعل الحضور، فلم يكن لقاءً عادياً، بقدر ما كان محطة مهمة للتأمل ومراجعة الحسابات الأسرية، وبخاصة في تحسين صورة الذات، وتحقيق الطمأنينة النفسية، ومن ثم الأسرية على النطاق الأوسع. واختُتم بحوارات مشتركة بين المختصين والحضور، توصلوا من خلالها إلى توثيق تجاربهم الحياتية وحواراتهم عبر صياغة «ميثاق أسرتنا للطمأنينة»، الذي حوى العديد من المبادئ والمرتكزات الأسرية المهمة التي يستطيع أفراد الأسرة تنفيذها على أرض الواقع، واستلهام الشيء الكثير من مضامينها، بما يضمن نجاح أدوارهم الإيجابية في الحياة، باعتبار أن هذا الميثاق مسؤولية مشتركة ينبغي أن يتحول إلى واقع عملي يعزز معاني الترابط الأسري، ويعيد للأسرة مكانتها وتأثيرها كما كانت، وأفضل مما كانت.

لقد تضمن «ميثاق أسرتنا للطمأنينة» مبادئ مهمة، ركّزت على المحافظة على هويتنا وقيمنا، وكيفية نقلها إلى أبنائنا بصورة تتناسب مع عالم متغير، وعلى مبادئ تساعد أفراد الأسرة على الحوار والإنصات والتعبير عن مشاعرهم واختلافاتهم باحترام، وعلى أهم المبادئ التي تساعد الأسرة على الاستفادة من العالم الرقمي، دون أن يكون ذلك على حساب التواصل والترابط والقيم الأسرية، وعلى المبادئ التي ينبغي أن تحكم تعامل الأسرة مع أحد أفرادها عندما يمر بضغوط أو تحديات نفسية، وعلى المبادئ والممارسات التي تجعل البيت مساحة آمنة وأكثر قرباً وترابطاً وطمأنينة لجميع أفراده. كلها مبادئ نسعى إلى أن تكون مرجعاً استرشادياً للمختصين، وميثاقاً لكل أسرة يهمها أن تتغير، وألا تكون مساحات البيوت مجرد مساحات مهجورة، لا أثر فيها للمشاعر والأحاسيس والأرواح الجميلة.

ومضة أمل

لنعمر بيوتنا بالحب والأحاسيس الدافئة، ولنعمرها باللقاءات الأسرية واللّمات العائلية الجميلة، بعيداً عن الاستغراق الممل في الشاشات المغلقة. لنعِد بساطة الحياة كما كانت في حياة الآباء والأجداد، ولنكن دائماً عوناً على الخير والمحبة والعطاء الأسري. شكراً للمؤسسة الملكية للأعمال الإنسانية على إبداعاتها المتجددة، وعلى فريقها المتألق دائماً.