في 16 أكتوبر من كل عام، يستعيد العالم قضية الغذاء بوصفها إحدى القضايا الأساسية المرتبطة باستقرار المجتمعات ومستقبل التنمية. ويأتي يوم الأغذية العالمي هذا العام تحت شعار «ابتكار اليوم.. غذاء الغد»، مسلطاً الضوء على دور الابتكار في تطوير النظم الغذائية وتعزيز قدرتها على مواجهة التحديات.
وتحمل هذه المناسبة بالنسبة إليّ ذكرى مهنية تعود إلى التسعينات، حين بادرت، خلال عملي في الأمانة العامة لاتحاد غرف دول مجلس التعاون الخليجي، إلى اقتراح وتنظيم اللقاء الأول لشركات الأغذية الخليجية، الذي عُقد في المنامة يوم 29 فبراير 1996. وكان الهدف فتح حوار عملي حول واقع الصناعات الغذائية الخليجية، وسبل تطويرها، والاستثمار الزراعي، والتجارة الغذائية، وسلامة الغذاء، وصناعات الألبان والدواجن، وغيرها من القضايا المتصلة بأمن الغذاء في دول المجلس.
وفي العام نفسه، انعقدت قمة الغذاء العالمية في روما، التي أرست تعريفاً دولياً مهماً للأمن الغذائي؛ إذ يتحقق، وفق هذا المفهوم، عندما يستطيع جميع الناس، في جميع الأوقات، الحصول مادياً واقتصادياً على غذاء كافٍ وآمن ومغذٍ يلبي احتياجاتهم وتفضيلاتهم الغذائية لحياة صحية ونشطة. ويكشف هذا التعريف أن الأمن الغذائي أوسع من مجرد إنتاج الغذاء محلياً؛ فهو يشمل توافره، والقدرة على شرائه، وسلامته، واستقرار إمداداته.
وهنا تكمن أهمية التمييز بين الأمن الغذائي والاكتفاء الذاتي الكامل.. فليس المطلوب أن تنتج كل دولة كل ما تستهلكه، وإنما أن تمتلك منظومة قادرة على توفير الغذاء بصورة مستقرة، من خلال تنمية الإنتاج المحلي، وتنويع مصادر الاستيراد، وبناء المخزونات الاستراتيجية، وتقليل التعرض للمخاطر الخارجية.
وفي يناير 2002، واصلت المبادرة بتنظيم اللقاء الثاني لشركات الأغذية الخليجية في الشارقة، بالتعاون مع اتحاد غرف الإمارات وغرفة الشارقة. وناقش اللقاء سبل تقليص الفجوة الغذائية، والتحديات التي تواجه الشركات، ودور الاستثمار الزراعي والصناعات الغذائية، إلى جانب التجارة الإلكترونية ومكافحة الإغراق. وكانت تلك اللقاءات تعبيراً عن إدراك مبكر لأهمية الحوار بين أصحاب الأعمال والمتخصصين وصناع القرار.
وبعد انتقالي إلى غرفة تجارة وصناعة البحرين، واصلت الاهتمام بالقضية من موقع عملي الجديد، فبادرت إلى اقتراح وتنظيم ورشة مستقلة في يناير 2004 بعنوان «مستقبل تجارة وصناعة المواد الغذائية بدول مجلس التعاون الخليجي في ظل منظمة التجارة العالمية». وركزت الورشة على آثار المتغيرات التجارية الدولية، وأهمية التكامل الخليجي، وتطوير الإنتاج والتقنية والبحث، وتعزيز قدرة الصناعات الغذائية على المنافسة. وفي العام نفسه، عُقد اللقاء الثالث لشركات الأغذية في البحرين بتنظيم من اتحاد غرف دول مجلس التعاون، بالتعاون مع الغرفة. وهما نشاطان منفصلان، وإن جمعتهما القضية ذاتها.
ومع مرور السنوات، ازداد الاهتمام بتطوير الإنتاج الزراعي المحلي. وفي البحرين، أُطلقت المبادرة الوطنية لتنمية القطاع الزراعي عام 2010 بتوجيهات كريمة من صاحبة السمو الملكي الأميرة سبيكة بنت إبراهيم آل خليفة، قرينة عاهل البلاد المعظم، حفظها الله. وقد فتحت المبادرة المجال أمام مزيد من التعاون لتطوير القطاع والاستفادة من التقنيات الحديثة.
وخلال مشاركتي في عدد من اجتماعات المبادرة، لفت انتباهي النقاش حول الزراعة الرأسية والزراعة المائية في البيئات المغلقة، باعتبارهما من الخيارات التي تستحق الدراسة في بلد محدود الأراضي والموارد المائية. فالتحدي لم يعد مقتصراً على زيادة المساحات المزروعة، بل أصبح مرتبطاً بكفاءة استخدام المياه، وتوظيف التكنولوجيا، واختيار المحاصيل المناسبة، وتحقيق أفضل إنتاج ممكن من الموارد المتاحة.
ومع أن الأمن الغذائي لا يعني الاستغناء عن الاستيراد، فإن المقولة المنسوبة إلى جبران خليل جبران: «ويل لأمة تأكل مما لا تزرع»، تظل تذكيراً بأهمية تنمية الإنتاج المحلي وتنويع مصادر الغذاء، وألا يتحول الاعتماد على الخارج إلى نقطة ضعف استراتيجية.
إن استمرار الحوار بين القطاعين العام والخاص، وعقد اللقاءات والموائد المستديرة المتخصصة، ضرورة لتطوير حلول واقعية ترفع مستوى الأمن الغذائي محلياً وخليجياً. فالمطلوب ليس الاكتفاء بتشخيص التحديات، بل الانتقال إلى عمل جاد، وشراكات فاعلة، واستثمارات مدروسة في الزراعة والصناعات الغذائية والتقنيات الحديثة.
ومن استشراف عام 1996 إلى زراعة المستقبل، تبقى الرسالة واضحة: إن غذاء المستقبل يُبنى بالتخطيط والعمل والابتكار من اليوم.