حسابات تستغل صور القادة والرموز الوطنية لتأجيج الخلافات بين الأشقاء
كشفت تحقيقات رقمية متخصصة عن نشاط شبكات من الحسابات الإلكترونية الوهمية التي تنتحل هويات مواطنين من دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، وتتخفى خلف أسماء وصور ورموز وطنية خليجية، في محاولة لإضفاء المصداقية على هويات مزيفة، واستغلال القضايا السياسية والاجتماعية المشتركة لتأجيج الخلافات وإثارة الفتن بين شعوب المنطقة، بما يهدد النسيج الاجتماعي الخليجي والعلاقات الأخوية بين أبناء دول المجلس.
وتتضاعف خطورة هذه الممارسات مع انجرار بعض المستخدمين الحقيقيين، نتيجة ضعف الوعي بأساليب التضليل الإلكتروني، إلى التفاعل مع المنشورات الاستفزازية والرد عليها، دون إدراك أنهم قد يكونون ضحايا لحسابات مجهولة تسعى إلى تحويل الخلافات المصطنعة إلى مواجهات فعلية بين أبناء الشعوب الخليجية.
تحقيقات تكشف شبكات تضليل مرتبطة بإيران
وكشفت تحقيقات وتحليلات رقمية عن حسابات وهمية تنتحل هويات خليجية وتروّج لروايات مؤيدة لإيران وجماعة الحوثي، مقابل نشر محتوى مناهض لدول الخليج، مستخدمة أسماء وصوراً وبيانات شخصية مزيفة لإخفاء هويات مشغليها والتأثير في اتجاهات النقاش العام.
وتثير بعض هذه الحسابات تساؤلات بشأن إدارتها من خارج دول مجلس التعاون، بما في ذلك إيران والعراق، إلا أن تحديد مواقع تشغيلها والجهات المسؤولة عنها يتطلب أدلة تقنية مستقلة، ولا يمكن الجزم بمصدر جميع الحسابات اعتماداً على محتواها أو هوياتها المعلنة وحدها.
وفي هذا السياق، وثّق تحقيق نشره موقع «مسبار» المتخصص في التحقق من المعلومات خلال أبريل 2026 أنماطاً من انتحال الهويات الخليجية، واستخدام صور مسروقة أو معدلة رقمياً، إلى جانب بيانات شخصية وجغرافية متناقضة وتغييرات متكررة في أسماء المستخدمين.
ومن أبرز الحالات التي تناولها التحقيق حساب غيّر اسم المستخدم 219 مرة، واستخدم صورة تعود إلى إعلامية عراقية، فيما رُصدت حسابات أخرى استعانت بصور يُرجح توليدها أو تعديلها باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، مع تشابه في المحتوى وأنماط التفاعل، وهي مؤشرات تثير الشكوك بشأن حقيقة الهويات التي تقدم نفسها بها هذه الحسابات.
صور القادة والأعلام الخليجية غطاء لهويات مجهولة
وتبرز إحدى أخطر صور انتحال الهوية في استغلال صور القيادات الخليجية والأعلام والرموز الوطنية ضمن الملفات الشخصية للحسابات المجهولة، إلى جانب استخدام أسماء ولهجات محلية، لإيهام المتابعين بأن أصحابها مواطنون خليجيون يعبرون عن مواقف شعوبهم.
وقد تُوظف هذه الهويات المزيفة لنشر تعليقات مسيئة واستفزازات ضد دول خليجية شقيقة، بما يخلق انطباعاً مضللاً بوجود خلافات شعبية حادة، في حين قد يكون أصحاب تلك الحسابات مجهولي الهوية ولا يمثلون المجتمعات التي ينتحلون الانتماء إليها.
وتعتمد هذه الأساليب على استغلال الحس الوطني لدى المتابعين، خصوصاً عندما تقترن المنشورات المسيئة بصور القيادات أو الأعلام، الأمر الذي قد يدفع البعض إلى التعامل معها بوصفها مواقف صادرة عن مواطنين حقيقيين، دون التحقق من مصدرها.
كيف تتحول الإساءات الوهمية إلى خلافات حقيقية؟
وتقوم إحدى أبرز آليات التضليل على نشر منشور استفزازي أو تصريح مجتزأ عبر حساب ينتحل هوية خليجية، قبل أن تتولى حسابات أخرى إعادة نشره وتضخيمه، بما يوحي بأنه يعكس موقفاً شعبياً واسعاً.
ومع تزايد التفاعل، قد يندفع مستخدمون حقيقيون إلى الرد بالإساءة أو التصعيد ضد أبناء دولة خليجية شقيقة، لتتحول قضية افتعلتها حسابات مجهولة إلى سجالات حقيقية بين أشخاص لا يدركون أنهم ربما وقعوا في فخ التضليل.
وتسهم هذه الممارسات في نقل الخلافات من نطاق الحسابات الوهمية إلى النقاشات العامة، وإعادة تقديم المواقف الفردية أو المختلقة باعتبارها تعبيراً عن توجهات شعوب بأكملها، بما يضاعف احتمالات سوء الفهم والاحتقان.
ضعف الوعي الرقمي يضاعف خطورة الفتنة
ولا تتوقف خطورة شبكات التضليل عند ما تنشره من محتوى استفزازي، بل تتضاعف حين ينجرف بعض المستخدمين الحقيقيين خلفها، نتيجة الجهل بأساليب انتحال الهوية وضعف الوعي الرقمي، فيتحولون دون إدراك إلى أطراف تسهم في توسيع انتشار الرسائل العدائية.
فقد يعتقد المستخدم أنه يدافع عن وطنه أو يرد على إساءة صادرة من مواطن خليجي، بينما يكون في الواقع قد استجاب لاستفزاز أطلقه حساب مجهول بهدف استدراجه إلى مواجهة إلكترونية مع أشقائه.
وبذلك لا تحتاج الحسابات الوهمية بالضرورة إلى إدارة جميع مراحل التصعيد، إذ قد تتولى ردود الفعل الحقيقية استكمال نشر الرسائل العدائية وتضخيمها، وهو ما يجعل المستخدمين الذين ينجرفون خلف الاستفزاز جزءاً من انتشار التضليل دون علمهم.
تحقيق دولي يوثق شبكات تضليل مرتبطة بإيران
ولم تقتصر عمليات التضليل الإلكتروني على الحسابات التي ظهرت خلال الأزمات الأخيرة، إذ كشف مختبر «سيتيزن لاب» التابع لجامعة تورنتو الكندية، في تحقيق بعنوان «Endless Mayfly» نشر عام 2019، عن شبكة تضليل خلص الباحثون بدرجة ثقة متوسطة إلى ارتباطها بإيران.
ووثّق التحقيق 135 مقالاً مزيفاً و72 نطاقاً إلكترونياً و11 شخصية وهمية، استخدمت ضمن عمليات لنشر معلومات مضللة والتأثير في النقاشات السياسية، وكان من بين أهدافها المملكة العربية السعودية.
كما وثّقت شركة «OpenAI» عمليات تأثير معلوماتي استخدمت أدوات الذكاء الاصطناعي لإنتاج منشورات وتعليقات سياسية، ونشرها عبر حسابات غير أصيلة أو مشتبه في انتحالها هويات مستخدمين من دول مستهدفة.
وتسلط هذه التحقيقات الضوء على تطور أساليب التضليل الإلكتروني، وانتقالها من نشر الأخبار الكاذبة إلى صناعة شخصيات رقمية وهمية وإخفاء مصادر الرسائل والتأثير في النقاشات العامة، وإن كانت كل عملية موثقة تختلف عن الأخرى في أهدافها ووسائلها ومدى ثبوت ارتباطها بجهات محددة.
الوعي الخليجي خط الدفاع الأول
وتبرز في مواجهة هذه الممارسات أهمية تعزيز الوعي المجتمعي بأساليب التضليل الإلكتروني، والتحقق من هويات الحسابات ومصادر المعلومات قبل التفاعل معها، وعدم التعامل مع التعليقات المسيئة الصادرة عن حسابات مجهولة باعتبارها مواقف تمثل شعوباً أو دولاً.
كما تفرض هذه الظاهرة ضرورة التمييز بين النقد الحقيقي والحملات التي تتعمد إثارة العداء، وعدم السماح للحسابات المنتحلة باستغلال القضايا المشتركة والرموز الوطنية لإحداث شرخ في العلاقات الاجتماعية بين أبناء دول مجلس التعاون.
فليس كل من يسيء باسم دولة خليجية مواطناً منها، وقد يكون طرفا السجال ضحيتين لحساب وهمي واحد يسعى إلى الإيقاع بينهما.
وتبقى خطورة هذه الممارسات في قدرتها على تحويل الاستفزاز المصطنع إلى خصومة حقيقية، واستغلال ردود فعل البعض لتحقيق أهداف لا يدركونها، الأمر الذي يجعل الوعي والتحقق وعدم الانجرار خلف الحسابات المجهولة ضرورة لحماية النسيج الاجتماعي الخليجي والحفاظ على الروابط الأخوية بين شعوب مجلس التعاون.