تشهد منطقة نيو إنغلاند في شمال شرق الولايات المتحدة موسماً استثنائياً لتغير ألوان أوراق الأشجار خلال خريف عام 2026، إذ تحولت الغابات إلى لوحات طبيعية تجمع بين الأحمر والذهبي والبرتقالي، في مشهد وصفه أحد أبرز المتخصصين في رصد الظاهرة بأنه الأفضل منذ نحو عقدين.

وتعود قصة كايل كوتنر، صاحب موقع «تقرير أوراق الشجر» (The Foliage Report)، إلى عام 2007، عندما مازح زملاءه في البيت الأبيض مدعياً أنه خبير في ألوان الخريف، رغم نشأته في ولاية فلوريدا. ومع حلول الخريف، واصل المزحة بإرسال نشرات أسبوعية تتضمن إحصاءات ومعلومات عن تغير ألوان الأشجار إلى عدد محدود من زملائه، قبل أن يتحول الأمر إلى اهتمام جاد دفعه إلى إتقان أنظمة الخرائط المعقدة وإنشاء موقع يتتبع ألوان الخريف في مختلف أنحاء الولايات المتحدة.

وقال كوتنر، الذي يلقب نفسه «لييف دادي» (Leaf Daddy)، إنه لم يشهد خلال قرابة 20 عاماً من متابعة الظاهرة موسماً في نيو إنغلاند بمستوى موسم 2026، مضيفاً أن عام 2020 كان جيداً للغاية، لكن الموسم الحالي يبدو استثنائياً.

وأوضح أن المنطقة شهدت أمطاراً مناسبة خلال الربيع والصيف، إلى جانب أيام دافئة وليالٍ باردة مع اقتراب الخريف، وهي ظروف ساعدت على إبراز الألوان الزاهية للأشجار.

الجفاف يحرم مناطق أخرى من الألوان الزاهية

في المقابل، لم تحظَ جميع المناطق الأمريكية بالظروف المناخية نفسها. وأشار كوتنر إلى أن الجفاف الشديد في ولاية كولورادو أجهد الأشجار، ما أدى إلى موسم سريع وأقل حيوية من المعتاد.

كما لم تتحول أشجار الحور الرجراج في ولايات وايومنغ ومونتانا وأيداهو إلى اللون الذهبي بالدرجة المعتادة، بينما برزت ولاية يوتا بوصفها إحدى المناطق التي شهدت ألواناً مميزة، بفضل حصولها على كميات كافية من الأمطار.

وقال كوتنر إن هطول معدل طبيعي من الأمطار يساعد على ظهور الأوراق بأكثر ألوانها جمالاً وثراءً.

لماذا تتغير ألوان الأوراق في الخريف؟

يوضح خبراء الإرشاد التعاوني بجامعة نيو هامبشير أن تغير ألوان أوراق الأشجار يرتبط باستعدادها لفصل الشتاء.

فالأوراق تمتص ضوء الشمس بواسطة صبغة خضراء تُعرف باسم الكلوروفيل، وتستخدم الطاقة الناتجة لتحويل الماء وثاني أكسيد الكربون من الهواء إلى الجلوكوز، وهو نوع من السكر يغذي الشجرة.

ومع قصر ساعات النهار، تتوقف الأشجار عن إنتاج الغذاء تدريجياً، فتظهر الأصباغ الصفراء والبرتقالية الموجودة في الأوراق، لكنها كانت محجوبة باللون الأخضر. أما عندما تتعاقب الأيام المشمسة مع الليالي الباردة، فتُحتجز السكريات داخل الأوراق، ما يساعد على تكوّن الأصباغ الحمراء.

وفي نهاية المطاف، تضعف طبقة الخلايا التي تربط الورقة بالغصن، فتسقط الأوراق بفعل الرياح والأمطار.

ويختلف توقيت هذه الظاهرة من منطقة إلى أخرى؛ إذ تشير أبحاث كوتنر إلى أن موسم ألوان الخريف يبدأ في ألاسكا بمنتصف أغسطس، وينتهي في فلوريدا أواخر ديسمبر، فيما تُعد هاواي الولاية الأمريكية الوحيدة التي لا تشهد هذه الظاهرة.

أشجار ملونة وتفاح ومخابز تستقطب الزوار

في مدينة روتشستر هيلز بولاية ميشيغان، بدأت أوراق الأشجار تتغير ألوانها في مطحنة «ييتس سيدر ميل»، التي تعمل منذ عام 1863، واستقبلت الزوار الراغبين في التنزه على المسارات الطبيعية وتذوق عصير التفاح والكعك والحلويات المصنوعة منه.

وقال المدير العام للمطحنة، جاريد تايتوس، إن الخريف يمثل شريان الحياة للمؤسسة، ليس فقط لاستمرار أعمالها، بل أيضاً لأنه يعكس شغف العاملين بها، مشيراً إلى أن التفاح هو محور نشاطها.

وأضاف أن تجربة التنزه وتناول الحلويات في هذا الموسم تصنع ذكريات استثنائية للزوار، لافتاً إلى أن أيام الجمعة تشهد تقديم حلوى التفاح المقلية المعروفة باسم «فريتر فرايداي»، والتي وصفها بأنها كبيرة الحجم وشهية للغاية.

زوار من مختلف أنحاء العالم ينبهرون بالمشهد

وفي بلدة وودستوك بولاية فيرمونت، أعرب أسامة الشمراني، القادم من السعودية، عن دهشته من تنوع الألوان التي شاهدها خلال زيارته.

وقال إنه تلقى رسائل كثيرة من أفراد عائلته في بلده، تساءلوا فيها عما إذا كانت المناظر حقيقية أم صوراً مولدة بالذكاء الاصطناعي، مؤكداً أنها مشاهد طبيعية بالفعل. وأضاف أن الأوراق ذات اللون العنابي كانت من أكثر ما لفت انتباهه.

كما زار الزوجان جاسمين ولاري لوندر، القادمَان من ولاية جورجيا، المنطقة للمرة الأولى، وشاركا في رحلة تنزه برفقة الماعز. وقالت جاسمين إن التجربة كانت ممتعة للغاية، فيما أشار زوجها إلى أن درجات اللون الذهبي في فيرمونت أكثر إشراقاً بكثير مما اعتادا مشاهدته في جورجيا.

الطبيعة تمنح الزوار فرصة للهروب من ضغوط الحياة

أما كيرك جليو، الممرض في وحدة متخصصة بأمراض القلب والسكتات الدماغية في أحد مستشفيات كونيتيكت، فيجد في متابعة ألوان الخريف فرصة للابتعاد عن ضغوط العمل. وهو مصور فوتوغرافي اعتاد أيضاً ملاحقة العواصف ومراقبة الخرائط والتوقعات الجوية.

وقال إن رحلة حديثة برفقة خطيبته إلى ولايات مين ونيو هامبشير وفيرمونت أكدت توقعاته بأن يكون الموسم مميزاً، واصفاً المشاهد التي رآها خلال جولات المشي عند شروق الشمس، ومع انقشاع الضباب عن الجبال، بأنها مذهلة.

ورغم ازدحام بعض المواقع السياحية، تمكن من العثور على أماكن هادئة ومناظر طبيعية خلابة.

وأضاف أن كثرة السفر جعلته يدرك مقدار ما يعتاد الناس عليه في مناطقهم دون تقدير كافٍ، مشيراً إلى أن الأشجار أصبحت من بين العناصر القليلة التي لا تزال تمنح العالم ألواناً طبيعية، في ظل انتشار المباني والأماكن الحديثة ذات الألوان الباهتة والمتشابهة.