هناك مبادرات أهلية تولد من الشعور بالانتماء، وتكبر بما تحمله من وفاء للوطن وأبنائه. ومن بين هذه المبادرات يبرز في مملكة البحرين مشروع «من ذاكرة الأحياء»، الذي يقوده مجموعة من الشباب الأوفياء من عشاق الوطن والمنتمين إليه قلباً وقالباً، إدراكاً منهم بأن ذاكرة الوطن لا تحفظها الوثائق وحدها، وإنما يحفظها أيضاً أصحابها الذين عاشوا مراحلها، وأسهموا في بنائها.
وتقوم فكرة المشروع على توثيق مسيرة رواد العمل الوطني من أبناء مملكة البحرين، من الجنسين، ممن لا يزالون بيننا، والعودة إلى المراحل الأولى من حياتهم، والتعرف إلى بدايات عطائهم، ومجالات عملهم، وما قدموه من جهود وإسهامات في مختلف ميادين الحياة، وصولاً إلى توثيق أدوارهم في مسيرة بناء الوطن وخدمته.
وتكمن أهمية هذه المبادرة في أنها تنقل التوثيق من مرحلة تسجيل الأحداث قبل رحيل أصحابها إلى توثيق الذاكرة الوطنية وهي لا تزال حيّة، بما يتيح للأجيال الجديدة التعرف إلى تجارب آبائهم وأجدادهم، والاستفادة من خبراتهم، وإدراك أن مسيرة الوطن لم تُبنَ بجهد فرد أو مؤسسة واحدة، وإنما شارك فيها رجال ونساء وضع كل منهم لبنة في صرح الخير والنماء لهذا الوطن.
كما يمثل المشروع جهداً أهلياً مكملاً لما تقوم به الجهات الرسمية المعنية بالتراث والثقافة والتوثيق، من خلال الوصول إلى أصحاب التجارب الوطنية والاستماع إليهم وتسجيل شهاداتهم وذكرياتهم قبل أن تضيع تفاصيلها بمرور الزمن. وهو بذلك يسهم في إثراء الذاكرة الوطنية بمادة إنسانية وتاريخية واجتماعية قد لا تكون متوافرة في الوثائق الرسمية.
ولا تقتصر قيمة المشروع على التوثيق وحده، بل تمتد إلى رد الجميل لأبناء الوطن الذين أسهموا في مسيرته، وإشعارهم بأن ما قدموه لم يذهب سدى، وأن المجتمع يقدّر جهودهم ويحفظ أسماءهم وتجاربهم للأجيال القادمة، ولقد تم حتى الآن توثيق سيرة 115 شخصية من مختلف مناطق مملكة البحرين ممن يرجع لهم الفضل في الإسهام في بناء الوطن في مجالات مختلفة.
ومن هنا، فإن دعم مثل هذه المبادرات الأهلية وتشجيع القائمين عليها يمثل صورة من صور الشراكة بين المجتمع والمؤسسات الرسمية في حفظ التراث والذاكرة الوطنية، كما يعزز ثقافة الوفاء والتقدير لمن سبقوا في ميادين العمل والعطاء.
ولعل من المناسب أن تبادر الجهات المسؤولة إلى تكريم القائمين على مشروع «من ذاكرة الأحياء» في إحدى المناسبات الوطنية الكبرى، تقديراً لهذه المبادرة الشبابية وما تحمله من رسالة وطنية وإنسانية نبيلة، وتشجيعاً لهم ولغيرهم على مواصلة العمل في توثيق ذاكرة الوطن وأبنائه.فالأوطان لا تحفظ ذاكرتها بالحجارة والوثائق فقط، وإنما تحفظها أيضاً بأصوات أبنائها، وشهاداتهم، وتجاربهم، وقصص عطائهم. وما دام هؤلاء الرواد يعيشون بيننا، فإن مسؤوليتنا أن نستمع إليهم، ونوثق مسيرتهم، ونحفظها للأجيال القادمة؛ فتكريم الإنسان الحي هو في الوقت نفسه تكريم للوطن الذي أعطاه وأعطى له.