صديقي هذا طيّب القلب، رحيم، سخيّ، عطوف. يسعى في كل صغيرة وكبيرة، ولا يتوانى عن تلبية ما يُطلب منه من غير كلل أو ملل. لم أسمع يوماً أنه ردّ قريباً أو صديقاً أو حتى غريباً، فهاتفه بالكاد يتوقف عن تلقي الاتصالات والرسائل. ولهذا يقصده الأصدقاء، بل الغرباء أيضاً، ويعدّه البعض حلاً لكل مُلمّة أو نقص يحصل في عمل أو جهة، فيجدونه المنقذ عند كل مأزق يخدم بسخاء ووصول في الأفراح والأحزان صاحب واجب.
ولكن، وآه من الـ«لكن»! في الوقت الذي يشيد به القريب والبعيد ويمتدحونه عند كل مناسبة، تجد الأشخاص أنفسهم يذمّونه وينتقدونه ويحمّلونه مسؤولية الإخفاق إذا قصّر، وحتماً سيقصّر! فالإنسان بطبيعته محدود الإمكانات والقدرات، ليس له سوى ذراعين وجسد واحد، ولا يمكنه التواجد في أكثر من مكان في الوقت نفسه. أما قصص «السوبرمان» فمحض خيال سينمائي لا يمتّ إلى الواقع بصلة.
نعم، من الجيد أن يكون الإنسان محلاً للثقة، يقضي حوائج الناس ويسهّل أمورهم، لكن ضمن الطاقة والتحمّل؛ فلا يكون ذلك على حساب عمله الأساسي، ولا عائلته، بل ولا نفسه وصحته. فمن يمتدحك اليوم في جهة سيذمّك غداً في جهات كثيرة قصّرت فيها، ولن يعذرك، لأنك حين وافقت على طلبه أبرمت معه عقداً على قضائه، وهو بنى عليه ورتّب أموره. ومن يخل بوعده يتحمّل تبعات ذلك كاملة، ولا يلومنّ إلا نفسه.
وقد يضطر إلى أن يستعطف فلاناً، أو يتوسل بآخر، أو يصطدم بشخص ثالث في سبيل قضاء حاجة أو تسهيل أمر، وهذا كله على حساب نفسه وحفظ ماء وجهه. يا صديقي، (أنت لست أخطبوطاً) يمدّ أذرعه في كل مكان، بل إنسان له قدرة محدّدة وزمن محدّد، ولك التزاماتك الخاصة والعامة التي عليك الوفاء بها. ولا ضير ولا عيب في أن تعتذر، ولو كان ذلك صعباً، بلباقة وأسلوب مهذّب ولطيف، أو أن تؤجّل الأمر إلى وقت آخر إذا أمكن. والعاقل يقدّر صدقك ويتفهّم صراحتك، ومن لا يقدّر فليس أهلاً لقضاء حاجته أصلاً.
وهذا في كل الأحوال أفضل من أن يذمّك ويحمّلك المسؤولية حين تقصّر، وحينها لا ينفع الاعتذار! ولسان حال كثيرين يقول: لو اعتذر من البداية لكان أحسن، ولبحثنا عن البديل، ولما وقعنا في هذا المأزق! وبطبيعة الحال، لا يمكنك أن تنال رضا جميع الناس، فرضا الناس غاية لا تُدرك. لذا أعِد حساباتك، وبرمج وقتك، ونظّم عملك بما يتلاءم مع إمكانياتك وقدراتك، حتى لا تُصاب بالإرهاق والإحباط، وتبتعد عن الشكوك والشبهات. وتأكّد أنك ستنجز الكثير، وسيرافقك النجاح، وستحظى بالإشادة والتقدير من الصغير والكبير.