عندما نسمع عن ظاهرة «النينيو»، تتجه أنظارنا عادةً إلى المحيط الهادئ، حيث تؤدي التغيرات في حرارة المياه السطحية، وحركة الرياح، والضغط الجوي إلى اضطرابات مناخية تمتد آثارها إلى مناطق واسعة من العالم. ولكن، هل يمكن أن تكون لدينا ظاهرة إقليمية مشابهة في البحار المحيطة بشبه الجزيرة العربية؟ وهل يمكن أن نسميها «النينيو الخليجي»؟هذا السؤال ليس إعلاناً عن اكتشاف ظاهرة مناخية جديدة، بل فرضية علمية تستحق البحث، خصوصاً مع الارتفاع المستمر في حرارة البحار الإقليمية، والتغيرات في معدلات التبخر والملوحة، وتكرار الموجات الحرارية البحرية.
- أربعة بحار تحيط بشبه الجزيرة العربية:
تتميز شبه الجزيرة العربية بموقع جغرافي فريد، إذ تتأثر بأربعة مسطحات مائية رئيسية: الخليج العربي، وخليج عُمان، وبحر العرب، والبحر الأحمر. وتختلف هذه البحار في أعماقها وملوحتها وحركة تياراتها، لكنها تتفاعل جميعاً مع الغلاف الجوي فوق المنطقة. والخليج العربي بحر ضحل نسبياً، يبلغ متوسط عمقه نحو 35 متراً، وتصل درجات حرارة مياهه السطحية في بعض المناطق صيفاً إلى أكثر من 35 درجة مئوية. أما البحر الأحمر، فيتميز بارتفاع حرارته وملوحته، بينما يتأثر بحر العرب وخليج عُمان بالرياح الموسمية والتيارات البحرية وصعود المياه الباردة من الأعماق، وهذه الخصائص تجعل المنطقة مختبراً طبيعياً لدراسة العلاقة بين الحرارة والملوحة والتبخر وحركة الرياح، وتأثيرها في مناخ الدول المطلة على هذه البحار.
- ما المقصود بالنينيو الخليجي؟
يمكن اقتراح مصطلح «النينيو الخليجي» لوصف نمط افتراضي من التذبذب الحراري والملحي في البحار المحيطة بشبه الجزيرة العربية، قد يرتبط بتغيرات في الرطوبة والضغط الجوي والرياح والأمطار، ولكن هناك فرقاً علمياً أساسياً بين ارتفاع حرارة البحر ووجود تذبذب مناخي مستقل؛ فالنينيو في المحيط الهادئ ظاهرة مثبتة، تنشأ من تفاعل متبادل بين المحيط والغلاف الجوي. أما النينيو الخليجي، فهو حتى الآن تسمية شخصية مقترحة لفرضية لم يثبت وجودها كنظام مناخي مستقل، ولم تُحدد بعد دوريتها أو مؤشراتها أو آلياتها الفيزيائية.
- ما الأسباب المحتملة للنينيو الخليجي؟
يمكن تحديد خمسة عوامل رئيسية قد تسهم في نشوء تذبذبات حرارية وملحية إقليمية.
1. الاحترار العالمي، الذي يؤدي إلى ارتفاع حرارة المياه السطحية وزيادة المحتوى الحراري للبحار.
2. ضحالة الخليج العربي، التي تجعله سريع الاستجابة للتغيرات الموسمية في الطاقة الشمسية والرياح.
3. التبخر الشديد، الذي يؤدي إلى فقدان المياه وارتفاع ملوحة المياه المتبقية، ويُقدر الفقد السنوي بالتبخر في الخليج العربي بنحو 1 إلى 2 أو أكثر في بعض التقديرات.
4. الملوحة التي تؤثر في كثافة المياه وحركتها الرأسية والأفقية؛ فعندما ترتفع الملوحة تزداد كثافة المياه عند ثبات درجة الحرارة، وقد يؤدي ذلك إلى تغير الخلط المائي والدوران البحري.
5. التفاعل مع الأنظمة المناخية الكبرى، مثل النينيو في المحيط الهادئ وثنائية القطب في المحيط الهندي، إضافة إلى تغيرات الرياح الموسمية والتيارات النفاثة.
- ما الأعراض التي قد تكشف وجود هذه الظاهرة؟
إذا كانت هناك بالفعل منظومة تذبذب حراري إقليمية، فقد تظهر لها مؤشرات قابلة للقياس، ومن أهمها ارتفاع حرارة سطح البحر فوق معدلاتها الموسمية لفترات طويلة، وزيادة تكرار الموجات الحرارية البحرية، وتغير معدلات التبخر والملوحة، واضطراب أنماط الرياح والرطوبة، وتغير توقيت انخفاض درجات الحرارة خلال الخريف. وقد تظهر أيضاً تغيرات في تكوّن الضباب والسحب المنخفضة، وفي احتمالات الأمطار الرعدية عندما تتوافر الظروف الجوية الملائمة، ولكن هذه الظواهر لا تثبت وحدها وجود «النينيو الخليجي» لأنها قد تحدث بفعل عوامل موسمية أو مناخية أخرى.
- كيف يمكن أن يؤثر النينيو الخليجي في البحرين؟
تُعد البحرين من الدول الأكثر تأثراً بالتغيرات الحرارية في الخليج العربي بسبب طبيعتها الجزرية وإحاطتها بالمياه الضحلة، فعندما ترتفع حرارة مياه الخليج، يمكن أن يزداد بخار الماء المتاح في الهواء، خصوصاً عندما تكون الرياح قادمة من البحر، وهذا يرفع احتمالات الرطوبة المرتفعة ويحد من تبريد الهواء ليلاً. وتوضح معادلة كلاوزيوس–كلابيرون أن ضغط بخار الماء المشبع يزداد بنحو 6-7% لكل ارتفاع مقداره درجة مئوية واحدة قرب درجات الحرارة المعتادة. وقد تؤثر التغيرات البحرية كذلك في تأخر الإحساس بالأجواء الخريفية، وفي ظروف تشكل الضباب، وربما في شدة بعض الحالات المطرية إذا توافرت آليات الرفع الجوي وعدم الاستقرار.
- هل للنينيو الخليجي علاقة بأكتوبر 2026؟
إن استمرار الأجواء الحارة والرطبة في البحرين خلال أكتوبر 2026 يثير تساؤلات مشروعة عن دور حرارة مياه الخليج في تأخر الإحساس بالخريف ولكن لا يمكن تفسير هذه الأجواء بوجود «نينيو خليجي» قبل إثبات الظاهرة علمياً؛ فالتأخر الموسمي قد ينتج من استمرار دفء البحر واليابسة، وتغير اتجاه الرياح، والاحترار العالمي، والتقلبات الطبيعية في الضغط الجوي، ومن هنا تأتي أهمية الفصل بين الملاحظات المناخية المثبتة والفرضيات التي لا تزال قيد البحث.
- الخاتمة: هل نكتشف ظاهرة مناخية جديدة؟
إن البحار المحيطة بشبه الجزيرة العربية ليست مجرد حدود جغرافية، بل خزانات ضخمة للحرارة والرطوبة، تتفاعل باستمرار مع الغلاف الجوي وتؤثر في حياة السكان والبيئة والاقتصاد، وربما تكشف الدراسات المستقبلية أن لهذه البحار نمطاً خاصاً من التذبذب الحراري والملحي يستحق تسمية علمية مستقلة، وربما يتبين أن ما نرصده ليس إلا نتيجة لتفاعل عدة أنظمة مناخية معروفة، وفي الحالتين، فإن البحث في هذه الفرضية سيضيف معرفة مهمة إلى علم مناخ المنطقة؛ فالنينيو الخليجي ليس حقيقة علمية مثبتة حتى الآن، لكنه سؤال علمي يستحق أن نبحث عن إجابته.
* أستاذ الفيزياء التطبيقية