بقلم: إيهاب أشرف


يبدو المتعايش مع السكري وكأنه يخوض حياته اليومية بإيقاع طبيعي كسائر الناس، غير أن تفاصيل يومه تحكمها حسابات دقيقة لا تتوقف لحظة واحدة. إنها معادلة متواصلة توازن بصرامة بين ثلاثة أضلاع: نوع وكمية الطعام، جرعة الأنسولين، ومقدار النشاط البدني.

بالنسبة للمتعايش مع السكري من النوع الأول، لا تُعد ممارسة الرياضة أو المشي مجرد رفاهية أو خياراً لقضاء وقت الفراغ، بل هي عمود فقري في خطة العلاج اليومية؛ إن سقط هذا الضلع، اختل ميزان السكر فوراً. فالجسد يتأثر بكل خطوة، وأي تغيير في جدول الحركة اليومي يفرض تعديلاً فورياً على معادلة الحقن والوجبات.

وتتجلى قسوة هذه المعادلة في تفاصيل اجتماعية بسيطة يراها العاديون عابرة، كالمشاركة في عشاء عائلي دسم في وقت متأخر من الليل. حين يتناول وجبة ثقيلة ويحقن الجرعة المقابلة لها ثم يجلس دون حركة، تنطلق دراما صامتة داخل جسده: يبدأ الأنسولين عمله السريع في مجرى الدم، بينما تنهمك المعدة ببطء شديد في هضم الدهون والبروتينات.

وفجأة، وفي غضون وقت قصير، ينهار مستوى السكر بشكل مباغت. يهاجمه تعرق بارد ودوار حاد، فيسارع مذعوراً لشرب العصير أو تناول السكريات لإسعاف نفسه قبل الوقوع في خطورة الإغماء. لكن الفخ الحقيقي يكمن في الفصل الثاني من هذا السيناريو؛ فما إن يسترد عافيته ويرتفع سكره من العصير، حتى تستيقظ الوجبة الدسمة في معدته وتبدأ بالامتصاص متأخرة، لتقفز النسبة في دمه إلى أرقام قياسية مرعبة.

تتحول ليلته إلى مواجهة مجهدة مع أجهزة القياس: استيقاظ متكرر، عطش لا يرتوي، وتوتر مستمر. يفرّ النوم من عينيه، ليصحو مع الفجر بجسد منهك تماماً، وكأنه ركض ماراثوناً طوال الليل وهو مستلقٍ في سريره.

وهذا الإنهاك الجسدي يمتد ليترك أثراً ثقيلاً على الذهن؛ إذ يجد المتعايش نفسه تحت ضغط استنزاف عقلي دائم، يتطلب منه البقاء في حالة تأهب وقراءة مستمرة للإنذارات والتنبيهات. ومع تكرار هذه الليالي القاسية، يتأثر تركيزه في عمله، وتتأرجح طاقته خلال النهار، مما يجعل أبسط المهام اليومية تحتاج جهداً مضاعفاً لتجاوز آثار التذبل الليلة.

علاوة على ذلك، يزداد هذا العبء ثقلاً عندما يواجه المتعايش نظرات المجتمع العابرة التي تختزل مرضه في مجرد الابتعاد عن الحلوى، غير مدركين أن كل قراراته اليومية هي معركة صامتة للبقاء. تتطلب هذه الحقيقة الدائمة دعماً وتفهماً أعمق من المحيطين، وتوفير بيئة اجتماعية ومهنية تقدر هذه الحسابات الخفية وتتيح له المرونة الكافية لإدارة يومه. فالوعي المجتمعي لا يخفف فقط من وطأة التوتر النفسي، بل يُعد شريكاً أساسياً في حماية المتعايش من مخاطر التباين المفاجئ.

إن إدارة السكري من النوع الأول ليست مجرد حقنة أنسولين تؤخذ ويمضي المرء في حال سبيله، بل هي عملية تفكير وتخطيط ذهني لا تتوقف على مدار الساعة، يخوضها المتعايش يومياً ليفوز بحق أساسي وبسيط: يوم مستقر ونوم هادئ.

* عضو جمعية السكري البحرينية