«وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ»، تختصر هذه الآية حكمة تحتاجها المجتمعات كلما اشتدت عليها التحولات: أن بناء المستقبل يقتضي اشتراك الناس في تدبيره، فالأوطان تزداد قوة حين تتسع فيها مساحة الإصغاء، ويصبح اختلاف الرأي طريقاً إلى معرفة أدق، وقرار أحكم، ومسؤولية يتقاسمها الجميع. من هذا المعنى أقرأ الخطاب السامي لحضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، ملك البلاد المعظم، حفظه الله ورعاه، بمناسبة افتتاح دور الانعقاد الخامس من الفصل التشريعي السادس لمجلسي الشورى والنواب؛ خطاباً يصل قوة الدولة بقدرتها على الاستماع، ويضع الإنسان في قلب السؤال عن الغد.
ولذلك تستوقفني عبارة «التشاور الصادق والحوار المسؤول»، باعتبارها مفتاحاً لقراءة الخطاب، فالتشاور الصادق يتطلب معرفة الواقع كما هو، بحاجاته ومنجزاته وأسئلته الصعبة، والحوار المسؤول يقتضي تحويل هذه المعرفة إلى خيارات تراعي المصلحة العامة، وفي اجتماعهما تتجلى فلسفة الحكم الذي يصغي ليعرف، ويعرف ليعمل؛ حيث تجد تطلعات المواطن طريقها إلى سياسة الدولة، وتكتسب السياسة معناها من أثرها في المجتمع.
هذا الاتصال يفسّر حضور الماضي في خطاب يتطلع إلى المستقبل، فاستحضار مسيرة البناء، منذ عهد صاحب العظمة الشيخ عيسى بن علي آل خليفة، رحمه الله وطيب الله ثراه، وصولاً إلى عهد صاحب العظمة صاحب السمو الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة، رحمه الله وطيب الله ثراه، يمنح الحاضر عمقاً يقيه التسرّع، ويذكّره بأن المنجزات حصيلة تراكم طويل، وتسمية العام المقبل «عام عيسى بن سلمان» تفتح مجالاً لتحويل الوفاء إلى معرفة: كيف تأسست الدولة، وكيف تطورت مؤسساتها، وما الذي ينبغي أن نحمله من خبرتها إلى مرحلة تتغير فيها أدوات الاقتصاد ومصادر القوة؟
ومن هذه الخبرة تتضح دلالة الطمأنينة في مواجهة التحديات الإقليمية، فالحزم تجاه الاعتداءات، وتقدير القوات الدفاعية والأمنية، والإشادة باستمرار الخدمات بقيادة صاحب السمو الملكي ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، تتصل جميعها بقدرة الدولة على حماية انتظام الحياة. وهنا تبدو الطمأنينة ثمرة مؤسسات تعمل، ومجتمع يتماسك، وقيادة تتحمّل مسؤولية الجمع بين حماية السيادة واستمرار التنمية، حتى تصبح مواجهة الخطر مدخلاً لتعزيز الاستعداد للمستقبل.
وتنتقل هذه المسؤولية إلى الاقتصاد حين يدعو الخطاب إلى تحديث التشريعات وتوسيع الاقتصاد المعرفي وتعزيز الأمن الغذائي والمائي. إن إدخال الغذاء والماء في مفهوم الأمن الوطني يوضح اتساع الرؤية من حماية الحدود إلى حماية مقومات الحياة. وفي قراءتي، يقتضي ذلك أن تتصل التشريعات بمهارات البحرينيين وفرصهم، وأن تقاس نتائجها بمؤشرات معلنة لجودة الخدمات والعمل والاستدامة؛ فتزداد الثقة حين يستطيع الناس متابعة المسافة بين التوجيه والإنجاز.
وعند هذه النقطة يكتسب الأول من يونيو معناه الأعمق، فقد اُختير «يوم العهد والولاء» موافقاً لتوقيع جلالته وثيقة الشكر والوفاء للشعب، استجابة لوثائق العهد والولاء، إنها علاقة تتبادل الاعتراف: شعب يحفظ وطنه، وقيادة تحفظ موقف شعبها، ومن شأن الاحتفال السنوي، إذا صاحبه توثيق وتعليم ومبادرات مجتمعية، أن ينقل التلاحم من ذاكرة الحدث إلى سلوك الأجيال، ويجعل الانتماء مسؤولية تتجدّد بالفعل.
هكذا تتصل الشورى بالثقة، والثقة بالصمود، والصمود بالتنمية، وتبقى القيمة الكبرى للخطاب في إمكان تحويل هذه الصلات إلى ممارسة مستمرة: إصغاء يتبعه قرار، وقرار يتبعه أثر، وأثر يلمسه المواطن، فالعهد الذي يستحق أن تورّثه البحرين لأبنائها هو أن يجدوا وطناً يصون كرامتهم، ويثق بقدرتهم، ويمنحهم مكاناً في صناعة مستقبله.
* إعلامية وباحثة أكاديمية