طور باحثون تقنية كيميائية جديدة قادرة على التقاط مجموعة من الملوثات المعروفة باسم "المواد الكيميائية الأبدية" وتفكيكها، في تقدم علمي قد يساعد على مواجهة أحد أكثر أشكال التلوث البيئي صعوبة، بعدما ظلت هذه المركبات تقاوم وسائل معالجة المياه التقليدية لعقود.
وأظهرت دراسة أجراها باحثون بجامعة ولاية أريزونا في الولايات المتحدة، بالتعاون مع باحثين من دول عدة، أن التقنية الجديدة استطاعت إزالة أكثر من 90% من 6 مركبات تنتمي إلى عائلة المواد البيرفلورية ومتعددة الفلور المعروفة باسم PFAS إلى جانب فصل نحو 83% من الفلور المرتبط بهذه المركبات، خلال تجربة تشغيل متواصل استمرت 58 يوماً.
شارك في الدراسة التي نشرتها دورية وقائع الأكاديمية الوطنية للعلوم (PNAS) باحثون بجامعة رايس الأميركية، وجامعتي "تونجي" و"نانجينج" في الصين، وجامعة سنغافورة الوطنية.
وتكمن أهمية الاكتشاف في أن معظم التقنيات المستخدمة حالياً لمعالجة المياه الملوثة بهذه المواد تعتمد على احتجازها أو فصلها باستخدام الكربون المنشط أو التبادل الأيوني أو الترشيح بالأغشية، دون تدميرها كيميائياً.
طوّر فريق من الباحثين طريقة فائقة الدقة للكشف عن الطحالب الزرقاء السامة في المياه العذبة، وهي تقنية ستُحدث تحولًا في إدارة موارد المياه ومراقبة جودتها.
ويعني ذلك أن الملوثات تظل موجودة في المرشحات المستهلكة أو المخلفات المركزة، ما يتطلب التخلص منها أو معالجتها بوسائل إضافية، بينما تستهدف التقنية الجديدة تفكيك جزيئاتها بدلاً من مجرد نقلها من المياه إلى مكان آخر.
وتستخدم مركبات PFAS منذ منتصف القرن الماضي، في آلاف المنتجات الاستهلاكية والصناعية، من بينها أواني الطهي غير اللاصقة والملابس المقاومة للماء وعبوات الأغذية ومستحضرات التجميل والسجاد والدهانات ورغوات إطفاء الحرائق.
لكن الخصائص التي جعلت هذه المواد واسعة الانتشار تحولت إلى مصدر خطر بيئي، إذ تتميز بقدرة استثنائية على مقاومة التحلل الطبيعي، ما يسمح لها بالبقاء في التربة والمياه والكائنات الحية لفترات طويلة.
ويرجع استمرار هذه المركبات في البيئة إلى قوة الرابطة الكيميائية بين ذرات الكربون والفلور، التي تعد من أقوى الروابط في الكيمياء العضوية، وهو ما يجعل تفكيكها بالوسائل التقليدية بالغ الصعوبة.
وجدت دراسة جديدة أن جميع الأحياء المائية التي تعيش في مصبات الأنهار المتدفقة للبحر المتوسط والمحيط الأطلسي ملوثة بالجسيمات البلاستيكية الدقيقة.
وقال الباحث الرئيسي للدراسة بروس ريتمان، مدير مركز سويت للتكنولوجيا الحيوية البيئية بجامعة ولاية أريزونا، إن مركبات PFAS تتميز بمقاومتها الشديدة للتحلل، وإن عمليات المعالجة المعتادة لا تستطيع تفكيكها بفاعلية.
وأضاف أن ذرات الفلور تحيط بالهيكل الكربوني لهذه المركبات وتحميه، ما يجعل من الصعب على التفاعلات الكيميائية أو العمليات البيولوجية مهاجمة بنيتها الجزيئية.
وللتغلب على هذه العقبة، طور الباحثون نظاماً يعتمد على جسيمات نانوية من معدن البلاديوم، تعمل كمحفز كيميائي يساعد على تنشيط غاز الهيدروجين وتحويله إلى صورة شديدة التفاعل، قادرة على مهاجمة الروابط بين الكربون والفلور.
وثبت الباحثون هذه الجسيمات على أسطح ألياف غشائية دقيقة، ثم مرروا غاز الهيدروجين عبر الألياف من الداخل، حتى يصل مباشرة إلى طبقة البلاديوم الموجودة على سطحها الخارجي.
وعندما يصل الهيدروجين إلى البلاديوم، تتفكك جزيئاته إلى ذرات هيدروجين نشطة، بينما تنجذب جزيئات PFAS الموجودة في المياه إلى السطح نفسه، ما يتيح حدوث تفاعل كيميائي يؤدي إلى كسر الروابط التي تمنح هذه المركبات مقاومتها للتحلل.
تعرف على ابتكار جديد، طوَّره باحثون من جامعة نورث وسترن، وهو عبارة عن إسفنجة متخصصة قادرة على إزالة الملوثات، مثل النفط والفوسفات والمعادن من المياه.
وأوضح ريتمان أن البلاديوم يجذب جزيئات الملوثات والهيدروجين في الوقت نفسه، ويجمعها على سطحه، ما يسمح بحدوث التفاعلات اللازمة لتفكيكها.
واعتبر الباحثون أن طريقة توصيل الهيدروجين من داخل الغشاء إلى الطبقة المحفزة تمثل أحد أهم عناصر الابتكار، لأنها توفر الهيدروجين مباشرة في موقع التفاعل، بدلاً من إذابته في المياه المحيطة.
وخلال الاختبارات، عالج النظام بصورة متواصلة مياها تحتوي على خليط من 6 مركبات من PFAS تثير مخاوف صحية وتنظيمية، ونجح في خفض تركيز كل مركب بأكثر من 90%.
وأظهر القياس إزالة نحو 83% من الفلور المرتبط بالمركبات، وهو ما يشير إلى حدوث تفكيك كيميائي فعلي، وليس مجرد احتجاز الملوثات داخل الأغشية.
ومع ذلك، فإن النتائج لا تعني تحلل جميع المركبات بالكامل، أو اختفاء جميع نواتج التفاعل، ما يستدعي مزيداً من الدراسات لتقييم المواد المتبقية والتأكد من سلامة المياه المعالجة.
وتثير مركبات PFAS قلقاً صحياً متزايداً بعدما ربطت دراسات التعرض لبعض أنواعها بارتفاع أخطار الإصابة بأنواع معينة من السرطان، واضطرابات الغدة الدرقية، وضعف الاستجابة المناعية، ومشكلات الخصوبة والحمل ونمو الأطفال، فضلاً عن ارتفاع مستويات الكوليسترول.
أظهر بحث أميركي نُشر الأربعاء أن كمية البلاستيك التي تدخل محيطات العالم زادت بشكل "غير مسبوق" منذ عام 2005، وقد تزيد ثلاثة أمثال بحلول عام 2040.
وتوجد هذه المركبات في المياه الجوفية والتربة ومياه الصرف، خاصة بالقرب من المطارات والقواعد العسكرية ومدافن النفايات والمناطق التي استخدمت فيها رغوات إطفاء الحرائق المحتوية عليها، ويمكن أن تنتقل إلى المحاصيل الزراعية والأسماك والحيوانات، وتصل إلى الإنسان عبر الغذاء ومياه الشرب.
ورغم النتائج المشجعة، يواجه تطبيق التقنية على نطاق تجاري تحديات، أبرزها التكلفة المرتفعة لمعدن البلاديوم، الذي أشار ريتمان إلى أن سعره يبلغ نحو 50 ألف دولار للكيلوجرام، ما يجعل تقليل الكميات المستخدمة منه أولوية للباحثين.
ويرى الباحثون أن التقنية يمكن أن تستخدم مستقبلاً إلى جانب أنظمة تنقية المياه التقليدية، بحيث تتولى هذه الأنظمة أولا تركيز الملوثات في كميات صغيرة من المياه، قبل إخضاعها للمعالجة الكيميائية لتفكيك مركبات PFAS.
ويعمل الباحثون على تطوير أنظمة هجينة تجمع بين جسيمات البلاديوم والبكتيريا القادرة على تحليل الملوثات، للاستفادة من آليات كيميائية وبيولوجية مختلفة في معالجة المياه.
وأكد الباحثون أن النتائج تمثل خطوة واعدة نحو التخلص من الملوثات شديدة الثبات، لكنها لا تزال بحاجة إلى اختبارات إضافية باستخدام مياه ملوثة في ظروف واقعية، فضلاً عن تقييم التكلفة والطاقة المطلوبة ونواتج التحلل، قبل إمكان اعتماد التقنية على نطاق واسع في محطات معالجة المياه.