في غمرة هذا العصر الصاخب، الممتد بأذرع التكنولوجيا والمنصات الرقمية، تحولت الحياة إلى ما يشبه المسرح المفتوح؛ حيث يتسابق الجميع لحصد الأضواء، وتعرية تفاصيل العمر أمام العابرين.

وفي هذا السباق المحموم، غاضت قيم واختلت موازين، حيث يتبارى الكثيرون في التخلي عن طمأنينة الستر لاهثين خلف وهج الشهرة الزائفة، ليتحول السلوك البشري إلى مجرد «عرض مسرحي» يبحث عن التصفيق والمشاهدات. وهناك على تلك الخشبة المزيفة، يقف «الحياء» كأنه لغة مهجورة تنتمي لزمن غابر.

أصبحنا اليوم نعيش زمناً عجيباً، انقلبت فيه المفاهيم، وصار البعض يرى في الحياء «ضعفاً» أو «تأخراً»، وفي المقابل أُلبس التبرج والانفلات من الحياء ثوب «الحرية» و«الثقة بالنفس». رأينا في فضاءات «التواصل الاجتماعي» كيف تخلَت بعض الفتيات عن ذلك الحصن الدافئ، مفرَطات برداء الخصوصية والحشمة، باحثات عن ومضة إعجاب عابرة أو ثناء رخيص على حساب وقارهنّ. صار العلن مستباحاً، والمستور مشاعاً، في مشهد يختزل أقسى مفارقات العصر.

الانسلاخ من الحياء لا يحرر الفتاة كما يزعم دعاة العصرنة، بل يبتذل كينونتها ويحيلها إلى صورة استهلاكية تُتداول بالنقرات والتعليقات. فقد تحولت المنصات إلى مزاداتٍ علنية تظن فيها الفتاة أن الضوء الذي يسقطُ عليها

هو ضوءُ تكريم، ولم تدرك أنه وهجٌ يحرقُ في طريقه أجمل ما تملكه الأنثى، لتُترك في النهاية وحيدة على هامشِ صخبٍ لا يرحم، تبحث عن ذاتها فلا تجد سوى صدى إعجاباتٍ وهمية، وجدرانٍ باردة من الزيف الرقمي.

كلمة أخيرة

لم يكن الحياء يوماً مجرد خُلق عابر، بل هو لغة سماوية صاغها الوحي وخلّدها التاريخ القرآني؛ إذ يقول الله تعالى: «فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ». إنه الحياء الباذخ الذي جعل نبياً كموسى عليه السلام يبذل عشر سنين من عمره مهراً لهذه العفة وضريبة لهذا الوقار.

* خولة الهاجري

khaulahalhajri@gmail.com