من السهل أن نعتاد وجود مؤسسات الدولة في حياتنا، وأن ننسى أن كل جهاز حكومي، وكل نظام إداري، كانت له بداية وقصة ورجال وضعوا أسسه!

لهذا سيكون افتتاح معرض صاحب العظمة الشيخ عيسى بن علي آل خليفة «عيسى الكبير» اليوم في متحف البحرين الوطني، تحت رعاية حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، ملك البلاد المعظم، حفظه الله ورعاه، مناسبة تستحق أن نتوقف عند دلالاتها.

الشيخ عيسى الكبير بقدر ما كان حاكماً يرتبط اسمه بمرحلة زمنية هامة في تاريخ البحرين، كان صاحب رؤية ساهمت في وضع أُسس الدولة الحديثة. وفي عهده بدأت تتشكل منظومات للعمل الحكومي والإداري، وشهدت البحرين خطوات مهمة في تنظيم القضاء والتعليم والصحة والعمل البلدي. وكانت هذه البدايات، بما حملته من فهم لأهمية التنظيم والمؤسسات، أساساً بُنيت عليه مراحل متعاقبة من التطوير حتى وصلت البحرين إلى ما هي عليه اليوم، في ظل المشروع الإصلاحي والنهضة التي يقودها جلالة الملك المعظم.

من هنـا جاءت أهميــة تسمية عــام 2026 «عام عيسى الكبيـر» بتوجيـه من جلالة الملك.

هي دعوة إلى قراءة مرحلة التأسيس، وإبراز دور الرجل الذي استحق لقب باني الدولة الحديثة، وتعريف الأجيال بأن ما تنعم به البحرين من مؤسسات راسخة هو حصيلة مسيرة امتدت لأكثر من قرن. ومن المهم أن نتذكر أن ما يبدو لنا اليوم إجراء حكومياً مألوفاً كان في زمن التأسيس خطوة كبيرة، نقلت إدارة كثير من شؤون المجتمع إلى العمل المؤسسي المنظّم، ومهّدت الطريق لأجيال واصلت البناء والتطوير، كلٌّ بحسب ظروف مرحلته.

أتمنى أن يكون المعرض جزءاً من برنامج مستمر يصل إلى المدارس والجامعات، من خلال زيارات وأنشطة ومحتوى توثيقي يشرح كيف تطوّرت الإدارة الحكومية، وكيف انعكس ذلك على حياة الناس. فهذه الوثائق والشواهد التاريخية تصبح أكثر قيمة حين تتحوّل إلى معرفة حيّة لدى الجيل الجديد.

والجميل أن المعرض يأتي بعد أيام من افتتاح معرض «العوالي»، الذي أعاد إلى الواجهة حكاية أخرى من تاريخ البحرين، بدأت مع اكتشاف النفط عام 1932، وما أحدثته الصناعة النفطية من تحوّل في الاقتصاد والمجتمع والعمران. ومدينة العوالي نفسها ما زالت شاهدا حيّاً على تلك الحقبة، بمبانيها التاريخية وطابعها المميّز وحياتها المتواصلة. وهي مُدرجة على القائمة التمهيدية لليونسكو، ونأمل أن تتكلّل الجهود بإدراجها على قائمة التراث العالمي.

هنا يستحق القائمون على هيئة البحرين للثقافة والآثار، وفي مقدمتهم الشيخ خليفة بن أحمد بن عبدالله آل خليفة، كل الشكر والتقدير. فما نشهده من اهتمام بالتوثيق وإقامة المعارض وصون المواقع التاريخية يعكس عملاً جاداً تقوم به كفاءات بحرينية شابة، تدرك أن حماية الإرث الوطني مسؤولية تتجاوز حفظ المقتنيات إلى إيصال قصصها للناس.

ومع اقتراب عام 2027، «عام عيسى بن سلمان»، الذي يحمل اسم والد الجميع وأمير القلوب صاحب العظمة الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة، طيب الله ثراه، نتطلّع إلى مزيد من المبادرات التي توثّق تلك الحقبة العزيزة أيضاً.

هذه جهود تستحق الإشادة، لأنها تحفظ للبحرين ذاكرتها، وتمنح أبناءها فرصةً لمعرفة الطريق الذي سار عليه الآباء والأجداد حتى وصل وطنهم إلى ما هو عليه. وما أجمل أن نحتفي بمن بنوا الدولة، وأن نحرص في الوقت نفسه على رواية قصتهم لمن سيكملون بناءها.