شهد قطاع تكنولوجيا المعلومات على مدار العقد الماضي مركزية شديدة، حيث هيمنت شركات «الهايبر سكيلرز» الكبرى مثل مايكروسوفت، وأمازون، وجوجل على البنية التحتية الرقمية للعالم. ولكن مع الانفجار المعرفي والتقني الذي أحدثه الذكاء الاصطناعي التوليدي، واجهت هذه الشبكات التقليدية تحديات معقدة تتعلق بنقص شرائح معالجة الرسوميات «GPUs» وارتفاع تكاليفها. من رحم هذه الفجوة الرقمية، وُلد نموذج ثوري جديد يُعرف باسم «النيو كلاود» «Neocloud»، وهو مفهوم يصف فئة صاعدة من مزودي السحابية المتخصصين والمبنيين خصيصاً لتلبية متطلبات الذكاء الاصطناعي والحوسبة فائقة الأداء.
تُعرف منصات «النيو كلاود» بأنها منصات تركز في المقام الأول على تقديم «مبادئ معالجة الرسوميات كخدمة» «GPU-as-a-Service». وخلافاً للشركات العملاقة التي تقدم آلاف الخدمات العامة مثل قواعد البيانات وأدوات تحليل الإنترنت التقليدية، يركز مزودو «النيو كلاود» على توفير قوة معالجة خام وهائلة من خلال أحدث تجمعات شرائح Nvidia المتطورة، وربطها معاً بشبكات اتصال فائقة السرعة ومنخفضة زمن الاستجابة «InfiniBand»، مما يجعل العلاقة بين النيو كلاود والذكاء الاصطناعي علاقة وجودية وتكافلية مطلقة.
يظهر هذا الرابط العضوي بوضوح في مرحلة تدريب النماذج العملاقة «AI Training»؛ فتلك النماذج تتكون من مليارات المعاملات، وتدريبها يتطلب معالجة كميات ضخمة من البيانات عبر آلاف المعالجات التي تعمل بالتوازي لأسابيع. تتيح بيئات النيو كلاود ربط هذه المعالجات كأنها كمبيوتر عملاق واحد، مما يقلص وقت التدريب من سنوات إلى أيام. كما يمتد الرابط إلى مرحلة الاستدلال وتشغيل النماذج «AI Inference» عند استخدام الجمهور للتطبيقات؛ حيث تُهندس هذه السحب مراكز بياناتها لتوصيل المخرجات للمستخدم بأجزاء من المليثانية، مما يضمن تجربة سلسة ودون تأخير.
علاوة على ذلك، يساهم النيو كلاود في ديمقراطية الذكاء الاصطناعي وحل معضلة «نقص الرقائق» العالمية. فبدلاً من احتكار المعالجات من قِبل الشركات المليارية، يقوم مزودو النيو كلاود بإتاحتها كخدمة مرنة تتيح للمطورين ومختبرات الأبحاث استئجار القوة الحوسبية بالساعة لتهيئة النماذج مفتوحة المصدر «Fine-tuning» دون عوائق برمجية معقدة. وبذلك، توفر هذه المنصات كفاءة اقتصادية عالية بأسعار تقل أحياناً بنسبة تتراوح بين 60% إلى 85% مقارنة بالأسعار التقليدية.
برزت عدة شركات رائدة تقود هذا التحول مثل «CoreWeave وLambda Labs وCrusoe Cloud». وتُشير التوقعات الاقتصادية إلى أن حجم سوق «النيو كلاود» مرشح للوصول إلى حوالي 250 مليار دولار بحلول عام 2030. في النهاية، لا يمكن القول إن «النيو كلاود» سيقضي على السحابة التقليدية؛ بل سيتكامل معها ضمن نموذج هجين، حيث تظل الشركات بحاجة للخدمات العامة من العمالقة، لكنها توجّه عمليات معالجة واستدلال الذكاء الاصطناعي المكثفة إلى البيئات المتخصّصة للنيو كلاود لتحقيق أقصى كفاءة بأقل تكلفة.