رغم مرور السنوات؛ لا تزال ذكرى صاحب العظمة الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة، رحمه الله، وطيب الله ثراه، حاضرة في أذهان وقلوب البحرينيين، حيث تميّزت شخصيته بقربه من الناس، وحرصه على سؤال زوّار مجلسه عن أحوالهم وأهلهم، حتى يُخيّل لك أنه يعرف كل أبناء البحرين فرداً فرداً.
لا تزال ذكريات تلك اللقطات التي كان يذيعها تلفزيون البحرين خلال استقباله لجموع المواطنين في مجلسه، لم يكن استقبالاً عادياً أو بروتوكولياً، فقد كان يتبادل أطراف الحديث مع الزوار، ويستمع باهتمام لما يقولونه، ويُصدر أوامره بحل ما يعرض عليه من طلبات أو مشاكل.
أما على المستوى السياسي والوطني؛ فقد ارتبط اسمه ببناء البحرين الحديثة، فيما حفظت له ذاكرة الناس مكانة الأب الذي بقيت مواقفه وكلماته حاضرة في ذاكرة من عرفوه، ولهذا وجدت في التوجيه الملكي السامي بأن يكون عام 2027 «عام عيسى بن سلمان»، وفاءً لمسيرة وطنية وإنسانية، وفرصة للأجيال التي لم تعاصره لتعرف كيف اجتمعت في شخصيته مسؤولية القائد وقرب الأب، ويفتح أمام الأجيال التي لم تعاصر الراحل باباً لمعرفة صاحب هذه المكانة في قلوب الناس.
وأرى أن قيمة هذا العام ستتسع كلما استطعنا أن نصل بين تاريخ نعتز به وحياة نعيشها اليوم؛ أن يعرف الشاب كيف قامت دولة البحرين ذات السيادة، وكيف تطورت مؤسساتها وترسَّخ حضورها بين الدول، وأن يسمع، إلى جانب ذلك، حكايات الناس عن قائد كان يستقبلهم ويصغي إليهم ويشجع أبناءهم، ففي الجمع بين المنجز الوطني والتجربة الإنسانية تصبح السيرة أقرب إلى الفهم، ويتحول الوفاء إلى معرفة بما بذل لبناء الوطن، ومسؤولية عن مواصلة العمل من أجله.
كما أقرأ في التوجيه الملكي معنى يتصل بمستقبل البحرين؛ فالاعتزاز بمن أسهموا في بنائها يحمّلنا مسؤولية المحافظة على منجزاتها وتطويرها. وفي تقديري، فإن مواصلة نهج الاهتمام بالإنسان تظهر في إتقان العمل، وحُسن خدمة الناس، والإصغاء إلى احتياجاتهم، ومنح الشباب فرصاً للتعلّم والمشاركة. بهذه الممارسات يصبح الوفاء حاضراً في يومنا، ويجد كل فرد، من موقعه، سبيلاً للإسهام في المسيرة التي تتواصل بقيادة جلالة الملك المعظم.
وأعود إلى تلك المشاهد التي بقيت في ذاكرتي من مجلسه، وإلى بساطة الحديث ودفء اللقاء، فأفهم كيف يبقى لقائد هذا الحضور في نفوس الناس بعد رحيله، ولعل ما أرجوه من «عام عيسى بن سلمان» أن يتيح لمن لم يعرفوه أن يقتربوا من سيرته، وأن يدفع من عرفوا فضله إلى حفظ شهاداتهم عنه.
رحم الله صاحب العظمة، وبقيت ذكراه باعثاً على محبة البحرين والعمل لأهلها، كما أحبها وكرّس حياته لخدمتها.