«تعذر توصيل شحنتك، يرجى تحديث العنوان»!

رسالة قصيرة يمكن أن تثير الضحك عند شخص لم يطلب شيئاً، لكنها قد تبدو طبيعية جداً لمن ينتظر طرداً تأخر وصوله. يفتح الرابط، ويملأ البيانات المطلوبة، ثم يكتشف متأخراً أن الشحنة لم تكن موجودة أصلاً.هذه واحدة من الحِيَل التي لا تحتاج إلى براعة تقنية خارقة؛ يكفي أن تصل الرسالة إلى الشخص المناسب في اللحظة المناسبة.

وهناك مكالمة تبدو أكثر جدية. متصل يناديك باسمك، ويقول إنه من البنك، ويتحدث بنبرة موظف يريد مساعدتك في إيقاف عملية مشبوهة. يمنحك وقتاً قصيراً للتصرف، ويطلب رمز التحقق الذي وصل لتوك. وقد ينهي المكالمة بشكرك على التعاون. المشكلة أن الأدب والهدوء ومعرفة اسمك ليست أدلة على هوية المتصل، لكنها قد تكون كافية لإرباك شخص يخشى على أمواله.

استوقفني هذا الأسبوع خبر محاضرتين توعويتين شارك فيهما نحو ثمانين من العمالة الأجنبية، بالتنسيق مع شركة «جاهز»، ضمن حملة «لا تسهلها عليهم» التي ينفذها المركز الوطني للأمن السيبراني ووزارة الداخلية بالتعاون مع هيئة تنظيم الاتصالات. والاهتمام بعمال التوصيل اختيار له أسبابه؛ فهؤلاء يقضون ساعات طويلة في التعامل مع التطبيقات والاتصالات والعناوين، وقد تصادفهم محاولات خداع ترتبط بطبيعة عملهم. والحملة، كما هو واضح من أنشطتها، لا تقتصر على فئة واحدة، وإنما تصل إلى شرائح مختلفة من المجتمع.

أعجبني شعار «لا تسهلها عليهم» لأنه يذهب مباشرة إلى أصل المشكلة. فالمحتال لا يطلب من ضحيته دائماً أن يسلمه المال مباشرة. ربما يطلب ضغطة على رابط، أو معلومة شخصية، أو رقماً سرياً مؤقتاً بحجة إلغاء عملية. وما إن يحصل على ما يريد حتى تختفي تلك اللهجة الودودة، ويبدأ صاحب الهاتف رحلة البحث عن كيفية استعادة ما فقده.

شخصياً لا تعجبني السخرية من ضحايا الاحتيال والتندر بقصصهم. إذ من السهل أن نسمع قصة أحدهم ونقول كيف صدق؟! لكننا لم نكن مكانه لحظة تلقي المكالمة. الخوف على الرصيد، والارتباك أمام شخص ينتحل صفة رسمية، أو حتى الانشغال بأمر عائلي، قد يدفع إنساناً واعياً إلى قرار متسرّع. وإذا أضفنا إلى الخسارة إحساساً بالخجل، فقد يتردد الضحية في إبلاغ البنك والجهات المختصة، مع أن سرعة الإبلاغ قد تكون مهمة جداً.

قد لا تكون خسارة بضع مئات من الدنانير خبراً تتناقله الصحف، لكنها قد تعني لعامل راتب شهر، ولمتقاعد جزءاً مهماً من مدخراته. لهذا لا أحب الاستهانة بحوادث الاحتيال الصغيرة. فالمبلغ الذي قد يبدو بسيطاً بالنسبة إلى شخص، ربما يمثل مصروف أسرة بأكملها، وفقدانه يترك وراءه قلقاً لا يزول بسهولة.

في المجتمع البحريني، لدينا مجال واسع لأن تصل هذه التوعية إلى البيوت والمجالس، لا أن تبقى محصورة في المنشورات والمحاضرات. يكفي أن يسأل أحدنا والده أو والدته عمّا يفعلانه إذا اتصل شخص باسم البنك، وأن يتبادل الأبناء مع أهلهم أمثلة الرسائل المشبوهة. ولا ينبغي أن نفترض أن كبار السن وحدهم معرضون للخداع؛ فالشباب أيضاً يقعون في أخطاء عندما يتعاملون مع الهاتف على عجل.

هنا ليس المطلوب من الناس أن يتحولوا إلى خبراء في الأمن السيبراني. المطلوب أن نتوقف قليلاً عندما يستعجلنا شخص مجهول، وأن نتأكد من هويته عبر القنوات الرسمية قبل مشاركة أي معلومة. وإذا سمعنا عن قريب تعرّض للاحتيال، فلا نبدأ بسؤاله «كيف انضحك عليك»؟! بل لابد وأن نسأله: «هل أبلغت البنك»؟! قد لا نستطيع إعادة ما خسره، لكن يمكننا على الأقل أن نساعده، وأن نستفيد من تجربته حتى لا تتكرر مع شخص آخر.

لا تكونوا ضحايا للاحتيال المتطور في هذه الأيام، مع تمنياتي لكم بعطلة نهاية أسبوع سعيدة وآمنة.