تدور بين وقت وآخر أحاديث حول الحوار السياسي وأهميته في معالجة القضايا السياسية أو حتى الحديث عن الحوار السياسي كإجراء يسبق أية إصلاحات أو تطوير للتجربة الديمقراطية القائمة.. فما هو الحوار السياسي؟، الحوار السياسي عملية تتم بين عدة أطراف لمناقشة قضية سياسية ما قد تكون محل تباين واختلاف وتبادل الآراء بشأنها وصولاً إلى حالة من التوافق بين الاتجاهات المختلفة حولها، وفي ضوء هذا التعريف البسيط للحوار السياسي فإن هناك عدة مرتكزات أساسية يقوم عليها، تتمثل في الآتي:

أولاً: أنه عملية، وبالتالي هو آلية دائمة يمكن اللجوء إليها في أي وقت، وليس مرحلة تتم وتنتهي، بل هي آلية مستمرة بسبب استمرار النتائج التي يمكن أن تتمخض عنها، بمعنى متى ما تم التوافق على إجراء سياسي معين، فإن هذا الإجراء الذي تم بالحوار سيستمر باعتباره نتيجة لهذا الحوار. ومثال ذلك ما حدث في حوار التوافق الوطني صيف 2011 عندما تم التوافق بين مكونات المجتمع المختلفة على تعزيز دور مجلس النواب المنتخب في السلطة التشريعية، فإن نتائج هذا التوافق في الحوار ستستمر بعد حدوث حالة التوافق التي أسفرت عن التعديلات الدستورية الأخيرة، وثانياً: الحوار يتم بين عدة أطراف، وهذا يعني أنه لا يمكن أن يتم بين طرف واحد. هذه الحقيقة تدفعنا للحديث قليلاً عن مستويات أطراف الحوار والتي تشمل الحوار بين الأفراد والأفراد، أو الحوار ب ين الأفراد والمؤسسات، أو الحوار بين المؤسسات ونظيراتها من المؤسسات. وبغض النظر عن مستويات أطراف الحوار، فإن المرتكز الأساس هنا هو ضرورة وجود عدة أطراف تحمل وجهات نظر وآراءً متباينة. وبالتطبيق على حوار التوافق الوطني الأخير سنجد أن الحوار شارك فيه العديد من الأطراف التي مثلت مكونات المجتمع، وشملت الأفراد، والمؤسسات سواءً كانت من مؤسسات المجتمع المدني أو الجمعيات السياسية أو حتى مؤسسات الدولة الرسمية “الحكومة، ومجلسي النواب، والشورى”، ثالثاً: التباين والاختلاف، والمقصود به كمرتكز من مرتكزات الحوار السياسي وجود فروقات في الآراء ووجهات النظر بين أطراف الحوار تجاه القضايا السياسية محل النقاش. وعليه فإنه ليس منطقياً أن يكون الحوار بين عدة أطراف ليست بينها اختلافات تجاه القضايا موضع النقاش، فالتباين والاختلاف ضرورة من ضرورات الحوار، ورابعاً: الوصول إلى حالة التوافق، وهي الحالة التي تمثل مخرجات الحوار، بحيث يكون هناك اتفاقاً عاماً حول القضايا محل النقاش السياسي، وهذه النقطة تتطلب طرح الفرق بين الحوار والمفاوضات، ففي المفاوضات غالباً ما تكون هناك أطرافاً خاسرة وأخرى رابحة لأن هناك طرف واحد يقدم التنازلات لإحداث حالة الاتفاق. في حين أن الحوار لا يكون فيه طرف خاسر، بل تتم العملية بنقاش موسع بين كافة الأطراف، ويتم التوافق على حالة توفيقية بين الآراء المتعددة، بحيث يقدم كل طرف حداً معيناً من التنازل في موقفه ورأيه السياسي سعياً للوصول إلى حالة التوافق. وبالتالي فإن المفاوضات تنتهي بالاتفاق، أما الحوار فينتهي بالتوافق.

والحوار السياسي ليس له شكل معين، بل هناك العديد من الممارسات والطرق التي يمكن أن يتم من خلالها، فقد يكون في شكل اجتماعات تشارك فيها كافة الأطراف، وقد يكون في شكل اجتماعات ثنائية، وقد يكون أسلوباً مزدوجاً ومشتركاً بين هذين النمطين، فضلاً عن العديد من الأساليب والطرق التي يمكن أن يكون الحوار عبرها، ولكل أسلوب إيجابياته وسلبياته، ويرتبط بالحوار السياسي بمفهوم آخر مهم جداً؛ وهو التواصل مع الآخر الذي يقصد به ضرورة أن يكون هناك اتصالاً وعلاقات تواصل طبيعية بين مختلف الأطراف، سواءً كانت أفراد أو مؤسسات. والتواصل المطلوب هنا هو التواصل الذي يتم مع الاختلاف والتباين في الآراء والمواقف السياسية تجاه مختلف القضايا. ويقوم هذا المفهوم على مبدأ ضرورة الاختلاف وضرورة الاتفاق، وعليه فإن الاختلاف في الرأي ينبغي ألا يكون عائقاً وحاجزاً يمنع كافة الأطراف من التواصل مع بعضها البعض، وإن كانت درجة الاختلاف كبيرة. فحالة عدم التواصل هي التي تؤدي إلى تعقيد الأوضاع السياسية أكثر فأكثر، وعلى العكس فإن حالة التواصل تتطلب قدرة معقولة من إمكانية الاستماع إلى الآخر وإبداء وجهات النظر حول موقفه وآرائه مهما كانت درجة التعارض والاختلاف في الرأي قائمة، والحوار السياسي والتواصل مع الآخر تعد ثقافة وأسلوب حياة ينبغي أن يتمتع به الفرد في أي مجتمع ديمقراطي. كما لا بد من إدراك أن هناك ضوابط تحكم الحوار والتواصل مع الآخر، وتشمل ضرورة تقديم الآراء الوسطية، والابتعاد عن التطرف والتشدد في طرح الآراء مع الآخر، كما لابد من أن تقوم العملية برمتها على الاحترام المتبادل، إضافة إلى ذلك فإن ضوابط الحوار السياسي والتواصل مع الآخر تتطلب التفريق بين الثوابت والمتغيرات، بمعنى أن هناك ثوابت عامة تجمع كافة الأطراف ـ مثالها الثوابت الوطنية في البحرين ـ وهناك متغيرات تتعلق بالأوضاع والظروف السياسية التي تختلف هذه الأطراف حول كيفية تطويرها. والثوابت عادة لا يتم الاختلاف بشأنها بقدر الاختلاف حول المتغيرات التي تمثل القضايا السياسية محل الاختلاف.

معهد البحرين للتنمية السياسية

[email protected]