عبدالعزيز الدوسري

تراجعت واردات الولايات المتحدة من النفط الخام لأدنى مستوى منذ أكثر من خمس عقود نتيجة لثورة النفط الصخري الأمريكي. الذي بدوره غيّر من تأثير أسعار النفط المرتفعة على الاقتصاد الأمريكي.

فمنذ خمسينات القرن الماضي تحولت الولايات المتحدة من مصدر إلى مستورد للنفط بشكل متزايد. ليصبح الأثر الرئيسي لارتفاع أسعار النفط هو تحويل الدخل من المستهلكين والشركات الأمريكية إلى الدول المنتجة للنفط في الشرق الأوسط وافريقيا وأمريكا اللاتينية.

وقد أدى ارتفاع الأسعار إلى الضغط على ميزان المدفوعات الأمريكي وقيمة الدولار، مما ساهم في تكوين علاقة سلبية بين سعر النفط وسعر الصرف. ولكن مع انخفاض صافي الواردات الأمريكية من النفط، تغيرت الصورة لتصبح تحويلات الدخل من المستهلكين والشركات تحدث الآن داخل الولايات المتحدة وليس مع بقية العالم. وعليه أصبح تأثير أسعار النفط على عجز الميزان التجاري الأمريكي وسعر الصرف أقل مما كان عليه سابقاً.

ومن ثم ازدادت التبادلات التجارية البينية داخل الولايات الأمريكية بين الولايات المنتجة والمستهلكة للنفط. أدى ذلك إلى انتقال الدخل من الولايات المستهلكة مثل كاليفورنيا وفلوريدا ونيويورك وإلينوي إلى الولايات المنتجة كتكساس وأوكلاهوما ونيو مكسيكو وداكوتا الشمالية.

كما يؤدي ارتفاع الأسعار إلى تحويل الدخل من الأفراد وقطاع النقل والتجزئة والصناعة إلى قطاع النفط وجميع المجالات المتعلقة بإنتاج ونقل وتكرير وتخزين وتوزيع وتسويق النفط. ليصبح بذلك ارتفاع أسعار النفط عامل خفض للإنفاق المحلي على استهلاك الطاقة. وفي نفس الوقت يعزز من الاستثمار في انتاج الطاقة في نفس الوقت. وذلك لسبب بسيط وهو تحول صناعة النفط الأمريكية للتصدير.

وقدمت أسعار النفط المرتفعة دفعة كبيرة للنمو الاقتصادي حيث أن التأثير الإيجابي على الاستثمار يفوق التأثير السلبي على الإنفاق الاستهلاكي. فقد أدت أسعار النفط إلى زيادة انتاج الولايات المتحدة من النفط بمقدار الضعف، من متوسط 5 ملايين برميل يومياً في 2008 إلى 10.3 مليون برميل يوميا في أوائل 2018.

ومن جانب الاستهلاك، فقد بلغ ذروته عام 2005 عند 20.8 مليون برميل يومياً مقارنة بمعدل عام 2017 عند 19.9 مليون برميل يومياً.

أدى ذلك إلى تحول كبير في تجارة النفط الأمريكية، حيث أصبحت الولايات المتحدة مصدّراً مهماً للمنتجات البترولية والنفط الخام. ومع الأخذ بعين الاعتبار حجم الزيادة في الإنتاج المحلي للنفط نتيجة للنفط الصخري، فمن غير المبالغة وصف التحول في قطاع النفط الأمريكي بالثورة.

لاتزال الولايات المتحدة تستورد النفط ولكن بشكل أقل بكثير مقارنة بالسنوات القليلة الماضية. حيث بلغ صافي الواردات من النفط الخام والمنتجات البترولية ذروته بأكثر من 12.5 مليون برميل في اليوم في عام 2005، وفقا لإدارة معلومات الطاقة الأمريكية. لينخفض صافي الواردات بحلول عام 2017 إلى 3.7 مليون برميل في اليوم. واستمر في التقلص في الأشهر الأولى من عام 2018.

أصبح ميزان المدفوعات الأمريكي معزولاً الآن بشكل أكثر من تأثير صدمات أسعار النفط مما كانت عليه عام 2008. فبحسب مكتب الإحصاء الأمريكي، تراجعت المكونات النفطية في العجز التجاري الأمريكي بشكل واضح. ففي الفترة بين يناير ومارس 2018، ازداد العجز التجاري للولايات المتحدة مع بقية العالم بمقدار 23 مليار دولار تقريبًا مقارنة بالعام الذي سبقه. وتفاقمت العناصر غير النفطية للعجز بمقدار 26 مليار دولار، إلا أن العجز النفطي تحسن بالفعل بنحو 4 مليارات دولار.

وكما هو متوقع، أدت هذه المتغيرات لعودة السياسيون الأمريكيون للحديث حول استقلال الطاقة، أو هيمنة الطاقة كما يطلق عليها ترامب. فزيادة انتاج النفط محلياً مفيد اقتصادياً بلا شك.

إلا أن واقع أسواق النفط يقول العكس. فمن الصعوبة بمكان عزل الطفرة النفطية للولايات المتحدة عن التطورات الأمنية حول حقول النفط في ليبيا أو انهيار الإنتاج في فنزويلا أو ما ستؤدي إليه العقوبات الأمريكية على صادرات إيران النفطية. علاوة على ذلك، ستظل الولايات المتحدة جزءا لا يتجزأ من شبكة كثيفة من العلاقات التجارية الدولية مع البلدان المنتجة والمستهلكة للنفط. ففي حين تميل أسعار النفط المرتفعة إلى تقوية الصادرات الأمريكية والاستثمار في البلدان المصدرة للبترول في الشرق الأوسط والمناطق الأخرى. ولكنها تتسبب أيضا في الحد من نمو الصادرات إلى البلدان المستوردة للنفط، ولا سيما الصين والهند واليابان وأوروبا.

الباحث والمحلل في مجال النفط والطاقة بمركز "دراسات"