نعيش حالة من التناقض العجيبة، نتمنى أموراً ولا نهيئ لها الأسباب، نحاسب أناساً على أمور ولا نحاسب ذواتنا على ارتكابها، نطالب الناس بأمور لا نعطيهم مثلها أو مقابلها.

نتمنى أن نكون سنغافورة الخليج أو نتمنى أن نكون مثل دول متقدمة شوارعها نظيفة وحدائقها مزهرة ومرتبة ومهيأة للعب الأطفال واجتماع العائلات، لا ترى ورقة مرمية في الشارع، صناديق القمامة جميلة وملونة، لا ترى ذباباً ولا قططاً ولا كلاباً ضالة في شوارعها، ودائماً ما نعتقد بأن الأمر عائد لوجود حكومات غير فاسدة ولها مصداقية وجادة في إسعاد شعوبها، في حين أن فوضانا نحن سببها، والقذارة الموجودة في الشوارع نحن من نرميها، وصناديق القمامة موجودة وحولها أكثر مما في داخلها، وألعاب الحدائق نحن من يكسرها ويخربها.

في الدول التي تبهرنا نظافتها من يوبخك إذا رميت ورقة أو عقب سجائر ليس رجال الأمن أو البلدية بل أهل البلد هم من يوبخونك ويأمرونك أن تحترمهم وتحترم قوانينهم، الناس هم حماة الممتلكات العامة وهم من يمنع المخالفين قبل الدولة، لذلك حين تهيأت الأسباب جميعها -وأولها التزام الناس بالقانون واحترامه وعدم البحث عن مبررات للمخالفين- تحقق المرجو منه ووجدت المدن النظيفة.

في جزر أوروبية أهلها يعتمدون على الصيد فقط وعلى السياحة دخلها محدود جداً ومعيشتهم صعبة وبيوتهم قديمة، لكنك لا تجد خطاً واحداً مشوهاً جدران بيوتهم ولا ورقة مرمية على الأرض ولا عمود إنارة مكسوراً ولا كرسي استراحة مقلوعاً من مكانه، المسألة ثقافة عامة وسلوك وتربية، ولا أحد يبرر لنفسه خرق القانون لأن دخله محدود، هذا التبرير موجود عندنا نحن فقط.

فإن كنا نريد نظافة وجمالاً وترتيباً علينا أن نحترم القانون ونمنع أنفسنا والمقيمين في دولتنا من خرق هذا القانون ونكون نحن حماته لا الدولة فقط، فلا نناقض أنفسنا بين ما نطالب به ولا نهيئ أسبابه.

صور التناقض الأخرى في افتقادنا لصور التسامح والتعايش التي كانت جزءاً أصيلاً من مكونات شعبنا ونفتقدها الآن ونطالب المجتمعات الأخرى بها ونضيعها من ثقافتنا.

نريد من الغرب والشرق أن يكون متسامحاً معنا متفهماً لعاداتنا وتقاليدنا وتراثنا ويسمح لنا بممارسة عباداتنا، ونعيّرهم إن هم ضيقوا على أي من المسلمين ونذكرهم بقيمهم التي يروجون لأنفسهم من خلالها كمنظومة حقوق الإنسان وحريات العبادة والتسامح والتعايش مع الآخرين والعدالة والمساواة بين البشر، بغض النظر عن أصولهم وأعراقهم وديانتهم، ولكننا نتعامل بالمقابل مع أي غريب يختلف عنا بنظرة دونية ونشتكي من «غزو الغربيته» لمجتمعاتنا، ونستشيط غضباً إن هم تعبدوا بطقوس ديانتهم على أرضنا إن كانوا غير مسلمين، في حين اشتهر البحرينيون منذ قرون لا منذ عقود بالقدرة على التسامح والتعايش مع كل مختلف معنا في أصولنا وأعراقنا وديانتنا، ولولا تلك السمة لما رأيت الكنيس والكنسية والمسجد والبهائي والبهري والصوفي وغيرهم من الملل والنحل متعايشين متحابين من مئات السنين على أرضنا.

لكننا اليوم نرفض التعايش مع الغريب ونرفض زيارتهم في معابدهم ونرفض أن يهنئهم أي من المسؤولين في أعيادهم، نعيش حالة من التناقض العجيب بين ما نطالب به الآخرين ولا نمتنع نحن عن تقديمه، وما نحاسب الآخرين عليه ولا نحاسب أنفسنا عليه.