أدار الندوة - إيهاب أحمد وسماح علام

أعدتها للنشر - سماح علام

تصوير - "سهيل الوزير"

جمال فخرو:

- 40 مليوناً فقدوا وظائفهم في أمريكا يعود نصفهم (فقط) بعد الأزمة

- سنشهد الإفلاسات على جميع المستويات والعمل الاقتصادي سيتغير

- الدين العام سيكون أسوأ وزيادة السقف آتية والاقتصاد الإنتاجي يتناقص

- مطلوب حوار وطني يهندس الاقتصاد وإعادة فكرة التوفير الغائبة

- الحكومة لم تقدم أي زيادة في الضرائب لكنها واقع قادم لا محالة

- دور الدولة الريعي سيتغير ونريد قرارات (تشاركية) و (مدروسة)

أحمد السلوم:

- شهية المستهلك تغيرت و80% من اقتصاد البحرين لم يعد يحتمل الصمود

- 90 % انحسار عام في المبيعات مقابل 200% زيادة في قطاعات أخرى

- 60 ألف سجل تجاري وأكثر من 120 ألف عائلة تضررت من كورونا

- التباعد الاجتماعي سيقلل استيعاب المحلات 30% وعليه سترتفع الأسعار

- غير معقول الحديث عن بطالة أبناء البلد في ظل 500 ألف وظيفة للأجانب

- زيادة الدين سببه إضافة اقتراضات غير مدرجة ومتفائل بالاكتشاف النفطي

د علي المولاني:

- القطاعات المتضررة تختلف عن أي أزمة اقتصادية حدثت عبر التاريخ

- غلق السوق له تأثيرات اقتصادية هيكلية والاقتصاد الصغير والمتوسط في خطر

- 3 % تراجع الاقتصاد حسب صندوق النقد الدولي حتى الآن

- 2.6 تريليون حجم الخسارة وهو ما يوازي اقتصاد فرنسا

- مطلوب تحديد نموذج تسير عليه دول الخليج في المرحلة القادمة

- الاستدامة تحدي المستقبل وسياستنا الاقتصادية لن تستمر للجيل القادم

لمشاهدة فيديو الندوة:



أكد مختصون في المجالين المالي والاقتصادي، أن زيادة الدين العام أمر وارد لأنه يشكل واقعاً سيئاً قادماً لا محالة، إضافة إلى إفلاسات على جميع المستويات، مسلمين بأن التسريحات في العمالة واقع جديد سيتشكل، موضحين الحاجة إلى حوار اقتصادي وطني بوصفه ضرورة ملحة.

وأكدوا في ندوة نظمتها "الوطن"، تراجع الاقتصاد المحلي 3% - قابلة للزيادة - حسب مؤشرات صندوق النقد الدولي حتى الآن، إذ يقدر حجم التراجع بـ 2.6 تريليون دولار وهو ما يمثل حجم الخسارة، معتبرين أن الواقع الجديد في ظل جائحة فيروس كورونا "كوفيد19" يحمل سيناريوهات متعددة قادمة تعتمد على المتغيرات الديناميكية.

وبين المنتدون، أن دور الدولة الريعي سيتغير في المستقبل، مؤكدين عدم وجود توجه حكومي في البحرين - حتى الآن - لرفع الضريبة، في ظل وجود اقتصاد إنتاجي يتناقص يقابله اقتصاد خدمي في ازدياد.

واعتبروا أن ملف البطالة أحد أهم الملفات التي يجب أن تدار بالشكل الصحيح، مستشهدين بوجود 40 مليون موظف أمريكي فقدوا وظائفهم بسبب فيروس كورونا، في مقابل أن البحرين تحتضن أكثر من 500 ألف وظيفة لأجانب يمكن استبدالهم بمواطنين.

وفند الخبراء الوضع العام بوجود 80% من الاقتصاديات لن تتحمل الصمود أكثر، إلى جانب الاعتماد على القروض والاستهلاك في ظل غياب ثقافة الادخار.

وأكدوا أن تعديل برنامج التوازن المالي، سيحدث الفارق خلال المرحلة القادمة في ظل الاختلاف البين في القوة الشرائية والتوجه نحو دمج الوظائف وإدخال التكنولوجيا وتغير سوق العمل ووجود 90% نسبة انحسار في المبيعات العامة و 60 ألف سجل تجاري مهدد بشكل أو بآخر وأكثر من 120 ألف عائلة متضررة من الجائحة.. فإلى التفاصيل..

* كيف ترى مستقبل الاقتصاد في ظل كورونا والمتغيرات القادمة؟

فخرو: من الصعب تحديد الملامح الآن، ولا أعتقد أن أي دولة من دول العالم استطاعت أن تحدد شكل الاقتصاد كيف سيكون، ولكن الكل يجزم أن العمل الاقتصادي سيتغير، وحتماً طريقة تنفيذ الأعمال سوف تتغير.

نظمت ندوة قبل أيام خارج البحرين تحدث فيها أحد الخبراء في أمريكا وقال إن 40 مليون الذين فقدوا وظائفهم الآن في ظل فيروس كورونا، سيعدون بعد كورونا 20 مليون فقط، والسؤال أين سيذهب الـ 20 مليون الباقية، فنحن مقدمون على وضع اقتصادي صعب جداً، ليس على مستوى الدول الصغيرة بل على مستوى العالم ، لذلك لابد من تحديد شكل اقتصاد العالم الجديد..لأننا تحكمنا اتفاقيات دولية لذا يجب أن نتكاتف حتى نخرج بتصور مناسب.

والسؤال هل سنستمر في العمل عن بُعد؟، وهنا نقول حتماً سيكون أكثر، وهل سنحتاج إلى أعمال أو خدمات تحول أعمالنا إلى خدمات وبالتالي يكون اقتصادنا خدمياً أكثر من إنتاجي، الجواب هو "نعم"، وهل سيكون للتكنولوجيا دور أكبر "نعم " وهل الاهتمام بالبيئة سيزيد أو يقل، لأنه سيكون له تأثير على التنمية الاقتصادية المستدامة.. الآن أصبح الوقت لا يمكن فيه تجاهل شيء، يجب أن نحدد ما الذي نحتاجه اليوم.

وعلى مستوى البحرين، يجب أن نعرف من سيحدد ملامح الاقتصاد القادم وما هي الرؤية، إذ يجب أن يكون هناك حوار وطني شامل يتشارك فيه كل من الحكومة وغرفة تجارة وصناعة البحرين والعمال والسلطة التشريعية من أجل الوصول إلى حل مناسب بحوار شبيه بالحوار الوطني أيام سوق العمل، عندما شارك الجميع بحيث يكون تجمع لأهل الاقتصاد والمهنيين والعمال والمتخصصين، نحتاج فعلاً لأن نبدأ هذا الحوار العلمي والمهني والسياسي.

فالبحرين صغيرة وبإمكاننا أن نناقش ونأخذ القرارات المناسبة، فصغر البلد نقطة لصالح أي تغيير، أيضاً علينا تحديد نسب البطالة والعمالة الأجنبية والاحتياجات والأولويات، وكل ما فكرنا في هذا الملف يجب الأخذ في الاعتبار المتغيرات اليومية المستمرة، فما قد نفكر فيه بالأمس قد يكون ناقصاً عن ما يجب أن نفكر فيه اليوم.

* تم الحديث عن أزمة اقتصادية فعلية قبل فيروس كورونا، والآن نتحدث عن مشكلة مضاعفة تتمثل بأزمة اقتصادية ذات شكل آخر بعد دخول الفيروس، فكيف ترى مستقبل القطاعات الاقتصادية؟

المولاني: لهذه الجائحة تأثير كبير على الاقتصاد، وهناك أزمة نتجت فعلياً، ولكن هذه الأزمة مختلفة عن الأزمات التي تحل بالأسواق والتي مرت عبر التاريخ، ويكمن الاختلاف في نوعية القطاعات المتأثرة، فهناك عدد من الدول تتشارك في نوعية المشاكل الاقتصادية التي تواجهها، ومن هنا ثمة تراجع في الأسواق يجب النظر فيه.. نحن نعيش اليوم أمراً مختلفاً يتعلق بغلق كامل لفترات طويلة، يحدث الغلق في كل القطاعات وهو أمر غير مسبوق، وله تأثيرات كبيرة بل هيكلية على الاقتصاد.

40 مليوناً في أمريكا فقط تم تسريحهم وهو رقم ليس بالهين، فكيف بباقي الدول، في البحرين لدينا خطة وبرامج وضعت من أجل دعم الاقتصاد الصغير والمتوسط، وهذا سيكون محط "مخاطر"، إذاً لا نريد أن نخسر ما صرف عليه وما تم العمل من أجله وبذل الجهد لتحقيقه، ومن هنا نريد أقل الخسائر قدر المستطاع، وبعد انقضاء فيروس كورونا قد لا تستطيع بعض المؤسسات أو الشركات الصمود والعودة للعمل من جديد كما كانت.

أيضاً، لابد من الإشارة إلى أن صندوق النقد الدولي طرح أن نسبة التراجع في الاقتصاد بلغت 3% حتى الآن، وإذا وضعت الـ3% بالنسبة لحجم الاقتصاد العالمي 87 تريليوناً، فنحن نتحدث 2.6 تريليون وهي خسارة توازي اقتصاد فرنسا، فكيف سيكون المستقبل في ظل أن فرنسا لا تنتج مثلاً .

قال وزير العدل في تصريح سابق إن تداعيات الأزمة سنتان..فهل هي مدة معقولة أم أن الأزمة ستكون أكثر أو أقل بتقديركم؟

السلوم: في السابق كان الحديث أن الأزمة ستكون لمدة 3 أشهر، ومع دخول الصيف سيكون الوضع عاد لما هو عليه، وكان يراد فيها حماية الناس وحماية صحتهم بغض النظر عن ما سيكلف ذلك، ولكن يجب توضيح أن اقتصاد البحرين بحكم حجمه الصغير لا يتأثر كثيراً بالمتغيرات العالمية، وبالتالي التأثر محدود.

ولكن بعد ذلك أصبح تدريجياً، أن المؤسسات الصغيرة والمتناهية في الصغر والتي تمثل 80 % أو 85% من اقتصاد البحرين لم تعد تحتمل، وجاءت توجيهات حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خلفية عاهل البلاد المفدى، من أجل التخفيف من الآثار والحد من الضرر قدر المستطاع، وأن نواصل العجلة ولكن ببطء.

في اجتماع سابق مع وزير المالية والاقتصاد الوطني، جمع فيه النواب أوضح أن التغيير والنماء في البحرين ملحوظ وأن الهدف ورؤية واضحة للجميع، فقبل الأزمة كان لدينا برنامج التوازن المالي وكان لدينا أيضاً احترازات اقتصادية لا نصفها بالتقشف ولكن كان لدينا تقليل واضح وفعلي في المصاريف ، فالبرنامج قلل من المشتريات والمصاريف، وأكرر أننا لم نكن في تقشف ولكن كان هناك احترازات.

ومن هنا يمكن القول، إن جائحة فيروس كورونا جاءت لتسرع استخدام التقنيات، وأيضاً لتقلص من عدد الوظائف، فمثلاً سيحدث الدمج بين 4 وظائف في وظيفة واحدة، وسيتم الاستغناء عن ما يمكن الاستغناء عنه، من هنا نقول إن الخطر القادم يتمثل في خسارة الناس لوظائفهم، فتأثير فيروس كورونا جاء ليزيد من حجم المنافسة بين الشركات، والكل يريد أن يقدم خدماته ويصل إلى الناس، وهنا سيحدث التأثير بين الشركات.

أطرح أيضاً التغير الذي حدث في القوة الشرائية في البحرين، فحتى في موسم الأعياد لم تكن الحركة كما كانت في السابق، وأصبح الناس أكثر تلمساً للمتغيرات التي ستحصل فرغم وجود سيولة لديهم ووقف القروض لـ3 أشهر إلا أن القوة الشرائية ضعيفة وتكاد تكون للضروريات فقط.

من هنا نقول، إن شهية المستهلك تغيرت، ولكن ليس لدينا نسبة محددة للقياس ولكن التراجع ملموس وملحوظ أن 90% من المبيعات لم تعد كما السابق، وفي المقابل أصبح هناك قطاعات أخرى منتعشة تقدر نسبة زيادة مبيعاتها بـ 200% مثل التقنية والتكنولوجيا والأدوات الصحية وغيرها.

نحن نتحدث عن 60 ألف سجل تجاري، على الأقل لديهم موظف واحد بحريني إن لم يكن أكثر، إذاً نحن نتحدث عن أكثر من 120 ألف عائلة..وإذا طرحنا التوجه لعودة الحياة لطبيعتها وفتح المطاعم والأسواق والصالات الرياضية وغيرها فنحن نتحدث عن توجه لتقليل الطاقة الاستيعابية في المحلات تقدر بـ30% حسب معايير التباعد الاجتماعي والمواعيد، وبالتالي قد يؤدي ذلك إلى ارتفاع الأسعار في هذه الخدمات لتغطية التكلفة.

هناك دعم كهرباء وهناك إيقاف أقساط، ولكن في المقابل لا يوجد مدخول وهناك عمالة يدفع لها وهناك مصاريف لا تغطى، لقد قامت تمكين بدعم بعض المؤسسات ولكن الدعم يمثل تغطية 30% من التكلفة إذاً نحن نتحدث عن 70% من حجم التأثر الفعلي في السوق، إذاً المدخولات والمصروفات تغيرت وتأثرت وستظل تتأثر، وهناك تحفظات وتخوفات كثيرة من طول المدة، لا نتحدث عن حركة طيران فقط وما يترتب عليها بقدر ما نتحدث عن حركة الجسر مع المملكة العربية السعودية وارتباطنا بها..فقد كنا نعتقد أن بعد شهر رمضان سنعود لحياتنا السابقة ولكن وفق المعطيات الجديدة ثمة توجه لتأخير فتح السوق كما كان في السابق، ولا أحد يعرف ما قد يحدث فعلاً في الأيام القادمة وكيف ستكون الأمور.

زيادة الضرائب قادمة

لا تعديل للضريبة إلا بقانون، فهل سيكون هناك توجه لتعديل في قيمة الضريبة المضافة أسوة ببعض الدول الخليجية وحسب وضع السوق حالياً في ظل وجود ضرر مس الجميع؟

فخرو: ضريبة القيمة المضافة طلعت بقانون بموجب اتفاق أصحاب الجلالة ورؤساء الدول الخليجية وهناك اتفاق خليجي بأن تكون 5%، وهناك دول مثل المملكة العربية السعودية رفعتها إلى 15% فهذا قرارها، ولكن حتى الآن لا يوجد توجه حكومي في البحرين لرفعها لدينا.

ولكن يبقى السؤال في ظل انخفاض أسعار النفط وفي ظل التزامات الدولة وارتفاع الدين العام والظروف الاقتصادية السيئة، من أين ستوفر الحكومة المالية المطلوبة للوفاء بالتزاماتها ليس كما جاءت في الميزانية العامة فقط بل بعد خصم جزء من مصروفاتها، من أين سوف نبدأ، حتماً سيكون هناك مصادر أخرى ولكن ما هي؟.

هذا وضع العالم كله، فالدول ذات الموارد الطبيعية هي التي لا تتضرر، وفي كل دول العالم يعتبر أكبر مصدر للميزانية هو الضريبة، ففي بعض دول أوروبا تصل إلى 27% إضافة إلى ضرائب أخرى على الأرباح والدخل والتركات والعقارات وغيرها.. إذاً حتى نوازن بين الميزانية ونقلل من الاقتراض لابد من ضريبة دخل، ومع الأسف الشديد ثمة نزول في قيمة النفط ومن غير المتوقع إلى السنة القادمة أن تعود لما كانت عليه، فالـ 60 دولاراً قيمة ليست سهلة، ومعظم استهلاك النفط العالمي في الصين، والعالم كله أوقف الشراء، والأفراد أصبحوا لا يشترون أيضاً، وبرزت فكرة جديدة غائبة عنا 40 سنة وهي التوفير، الكل كان يعتمد على الاستهلاك، وخلقنا جميعاً مجتمعاً استهلاكياً يعيش على القروض.

ولكن اليوم أصبح الناس يفكرون في كيفية تقليل قروضها وفي كيفية سدها سواء كانوا أفراداً أو شركات في ظل الوضع الحالي.. لذلك نقول إن رفع الضرائب واقع قادم إن لم يكن على المدى القصير سيكون على الأمد الطويل.

* تنويع مصادر الدخل في ظل أزمة فيروس كورونا خلاف الواقع بعد توقف السياحة من جهة والأنشطة الاقتصادية من جهة ثانية ، فكيف ترون ذلك؟

المولاني: هذه الفترة لا نقيس عليها للأمد البعيد، فهذه الفترة سنوفيها في ظل قطاعات متوقفة لا دخل لها، ولكن على المدى الطويل إن كنا نتكلم عن الاستدامة المالية فلابد من الحديث عن النموذج الذي ستسير عليه دول الخليج، فالدول تغيرت من صحراء إلى مدن حديثة وتعليم واقتصاد وغيرها، من هنا لابد من الحديث عن الاستدامة، فهل سياستنا الاقتصادية ستسير على نفس النهج لجيل أو جيلين، فالجواب حتماً لا، إذاً من غير الواقعي الحديث عن الاستمرار بنفس الكيفية، فالتغيير لابد من حدوثه.

يمكن أخذ حلول وقتية في المرحلة الحالية وطرح استخدام أكثر من مورد بشكل مؤقت، ولكن بعد هذه الأزمة هناك جزئية مهمة تتمثل في تحديد المؤسسات الأكثر تضرراً وتوجيه الدعم لها، ومن البداية يكون إعطاء المساعدات والدعم لمن يحتاجه فعلاً، وأيضاً لا يجب نسيان ما تم إنجازه في السنوات الماضية، فنحن نشهد تباطؤاً في الاقتصاد ويصعب السير في برنامج التوازن المالي بنفس الآلية، فالتغيير مطلوب حسب الظروف الراهنة، ولا نريد للدين العام أن يصل لمرحلة لا يمكن السيطرة عليها.

لدينا جزئيات استراتيجية يجب الحفاظ عليها وأيضاً علينا حل المشاكل بطريقة غير تقليدية، وإعادة النظر بشكل سياسة اقتصادية مدروسة، فالاقتصاد الحر كان توجهاً سابقاً، ولكن الآن السياسة والاقتصاد يسيران معاً وفق الظروف الراهنة.

* كيف سيكون وضع ميزانيتنا القادمة في ظل المتغيرات التي نشهدها؟

السلوم: الميزانية السابقة كانت وفق توافقات كثيرة في ظل وجود مدخول جديد يتمثل في ضريبة القيمة المضافة، وأيضاً وجود دعم من الدول الخليجية التي كانت تغطي المشاريع الخدمية، وبالتالي كان 90% من الميزانية لباب الرواتب، ومن أكبر الأرقام التي تفرض نفسها في الميزانية هي 200 مليون دينار للمشاريع، و 435 مليون دينار للدعم الاجتماعي، وكان هناك توجه أن يحدث خلال 4 سنوات وقف للعجز في الميزانية، ومن ثم نفكر في دفع القرض وسد العجز الأولى في الإيرادات والمصاريف والعجز الثاني المتمثل في الأرباح، فقد كان الهدف هو تصفير عجز الأرباح ومن ثم السير قدماً.

كان مدخول النفط الذي يشكل أكثر من 80% من الميزانية بناء على تسعيرة الـ 60 دولاراً ولكنه نزل عن هذا ووصل إلى 53 دولاراً، وزاد في النزول أكثر ولكن في الإجمال كان يعادل 100 مليون دولار، ولكن في هذه السنة، كانت الإيرادات بناء على المبيعات والمبيعات نزلت أصلاً، كما أن العمل بالأون لاين لا يدفع عليه ضريبة القيمة المضافة، لأنهم غير مسجلين، وبالتالي حركة الشراء تغيرت ولا تزال تتغير .

نريد تغيير السلوك فعلاً، نحن نشتري الخضار بـ"الكوارتين" ولكن في الخارج يشترون بالحبة، في السكن يكون التوجه لتقليل المساحات ففي الخارج حتى الأغنياء يسكنون في مساحات ليست كبيرة لأن كل شيء يدفع عليه ضريبة.. إذاً نحن نتحدث عن تغيير في السلوك الاستهلاكي وتقييم الذات، ورسم خارطة اقتصادية جديدة، والثلاثة أشهر الماضية ساهمت كثيراً في تغيير الكثير من السلوكيات من عدم الاعتماد على المطاعم والمغاسل والحلاليق وغيرها، أيضاً لابد من الحديث عن 6% إلى 30% نسبة تخفيض المصروفات في الدوائر الحكومية، عبر الشفتات وتقليل المساحات وغيرها، فمثلاً أصبح الطبيب يعاين بالأون لاين، ولا نزال نقيس كل هذه التأثيرات لمعرفة أبعادها.

فخرو معلقاً: الموازنة العامة هي انعكاس طبيعي لبرنامج عمل الحكومة، والسؤال هو ماذا ستفعل الحكومة خلال السنوات الأربع القادمة؟، فما تم تقديمه في 2019 سيتغير حتماً، والميزانية تغطي احتياجات لا يمكن الاستغناء عنها، وهناك أشياء أخرى إضافية يمكن الاستغناء عنها.

ولكن حسب طرح الأ 200 مليون دينار للميزانية الخاصة بالمشاريع الرأس المالية فلابد من توضيح أنها من أصغر المبالغ التي خصصت، وما نحتاجه هو توجيه الميزانية للاستثمار وخلق مناطق صناعية وحوافز، وتغيير نمط التعليم وغيرها، نريد التأثير في ملامح الميزانية القادمة، وما نريد معرفته هو ما ستقدمه الحكومة في ظل المتغيرات الجديدة ، وهي لن تنجح في اتخاذ القرار بنفسها، لذلك أعود لطرح الحوار الوطني الذي يضم الجميع، فإصلاح سوق العمل كان تشاركياً، وهذا ما نريد له أن يتحقق الآن بناء على صناعة القرار التشاركي والمدروس.

يجب أن نتعلم درساً واحداً وهو أن القرارات تكون بناء على دراسة شاملة، والقرارات لا تتغير بسهولة لأنها مدروسة أساساً، ولا مجال لردود الأفعال، فنمط اتخاذ القرار سيتغير، ولا نريد قرارات "اليوم والليلة" بل نريد قرارات مدروسة بناء على مراكز أبحاث تدرسها وجهات تتابع تنفيذها وتقيس أثرها، إذا نحن أمام فرصة للوقوف ودراسة وضعنا، هل ما كنا نقوم به صحيحاً، فدور الدولة الريعي يجب أن يتغير، والخدمات الريعية الحالية هل ستستمر بنفس الطريقة أم لا .

بطالة موجودة وبطالة مضافة

* هناك ملف كبير يتعلق بالوظائف ومستقبلها..كيف ستتعاملون معه في ظل المرحلة القادمة بين دفتي الظروف الاقتصادية ومصلحة المواطن؟

السلوم: التعامل مع هذا الأمر يعتبر تحدياً كبيراً سنواجهه، نتحدث عن بطالة بشقين الأول البطالة السابقة الموجودة أصلاً، وبطالة ثانية قادمة نتيجة تغير وضع السوق.. إذاً كيف نحول التحدي إلى نجاح، الشيء المطمئن أن حكومة البحرين تعمل على الاستثمار في المواطن، وفي المقابل على المواطن أن يتحمل المسؤولية ويقبل بالوضع والمتغيرات، ولكن في المحصلة نحن نتحدث عن 500 ألف موظف أجنبي.. لا يقل رواتب 20% منهم عن 1500 دينار ..إذاً نحن نتحدث عن نسب غير معقولة في دول خليجية أن يكون ابن البلد بلا وظيفة والأجانب كثر.

لابد من تغيير في الهيكلة والتركيبة، وتهيئة البحريني للعمل في كل مكان، إذاً القطاع الخاص مقبل على تغيير ونريد استبدال من سيخسر وظائفهم من الأجانب أن يتم توظيف البحرينيين كبديل لهم، وعلى المشرعين استحداث قوانين تناسب هذا الهدف، فمثلاً تم حصر 20 وظيفة في اقتراح تقدمت به مطلوب العمل على بحرنتها وسوف توفر 20 ألف وظيفة إذا تم ذلك فعلاً.

فخرو: تكلمنا عن البطالة لعشرات السنينن، وهذا الملف مرتبط بالوضع الاقتصادي وبالتعليم، لن يكون لدي عاطلون إذا هيأتهم للسوق، ولكن المشكلة عندما يكون لدي خريج قانون لا يستطيع كتابة مذكرة قانونية هنا نتحدث عن خطأ في التعليم، وعندما يكون لدي خريج محاسبة لا يستطيع عمل التدقيق المحاسبي، إذاً لدينا مشكلة، ويجب الاعتراف بالأخطاء، نريد وقفة صادقة وحقيقية للتصحيح، تصحيح المنظومة التعليمية والاقتصادية وغيرها.

باختصار ثقافة العمل المالي ستتغير حتماً، ولدينا أشياء حسنة وأشياء سيئة في ظل الأزمة، والتضخم في الأعمال سيعاد النظر فيه، ومساحات الأعمال ستتغير، والعمل من المنزل أصبح واقعاً وسيغير من أسلوب العمل اليومي، ابتداء من معاملات البنوك وصولاً إلى الشراء وغيرها من القطاعات.. إذاً نحن مقبلون على بطالة حقيقية، وهناك نتائج سلبية من هنا نطرح كيفية الحد منها، ويجب التوجه إلى بحرنة الوظائف وهي قضية يجب أن تطرح وتناقش.

* هل ستتغير امتيازات الحكومة، وهل يمكن أن نصل إلى سيناريو خفض الرواتب؟

فخرو: يجب تهيئة النفس لكل شيء، فإذا كانت الرواتب لن تمس فلابد من فرض الضرائب، ويجب معرفة كيف وعلى من ستكون، الضريبة مصدر رئيس للمالية العامة وفي هذه الحالة لن تمس الرواتب، ولنكون واقعيين أصبح سلوكنا سلوكاً استهلاكياً كبيراً، باختصار "مد ريلك على قد الحافك"، لا نريد السماح للمؤسسات المالية على التشجيع على الصرف، مقابل لم أسمع تشجيعاً على الادخار، لابد من حل مشاكلنا لأن حجمنا صغير، ونحن قادرون على ذلك، وأنا آخر شخص يتمنى أن تمس الرواتب لا لبحريني ولا لأجنبي يعيش على هذه الأرض ولكن في المقابل لابد من إنتاجية توازي الراتب المعطى.

سلوك المجتمع وثقافته وأسلوب المحاسبة والمكافأة والأسلوب المهم والحساب والعقاب والمكافأة، كلها أمور يجب أن تكون في ثقافة أي عمل ناجح، إذا إعادة النظر في هندسة الأعمال وحسن استخدام الموجودات هو المطلوب، أضرب مثالاً: غرف العمليات تعمل من الصباح حتى المغرب فقط، ولكن في دول أجنبية مواعيد العمليات تكون الثانية صباحاً والرابعة فجراً، وبالتالي تستعمل التجهيزات بكامل طاقتها، وعلى مدار الساعة، وبالمثل المدارس والمكاتب وغيرها، إذاً علينا أن ننتهز هذه الفرصة لتغيير أمور كثيرة، فحجمنا الصغير يساعدنا على حل المشكلة، ونريد تغيير نمط التفكير والعمل في آن واحد.

التنافسية في السوق ومعضلة الصمود

التنافسية في السوق .. رواد الأعمال يلاقون الدعم والاحتضان، فماذا سيكون مستقبلهم، وهل سيستمرون، ونطرح تحديداً المشاريع المتناهية الصغر؟

المولاني: لن تختفي هذه النوعية من الأعمال، ولكن من سيبقى سيكون لديه شيئ مميز، وسيكون لديهم القدرة على التحمل والاستمرارية، ولكن في المجمل الجانب الريعي لن يستمر، دعم الكهرباء واستمرارية الدعم بهذه الطريقة قد لا يكون أمراً متاحاً في المرحلة القادمة، أيضاً الاستيراد بنفس الكميات وبنفس الأنواع، من هنا نقول الاستمرارية ستكون لمن لديه النموذج الصحيح والملائم لمتغيرات المرحلة، وكما سيكون لدينا أنشطة ستغلق هناك حتماً مؤسسات مغايرة يمكن أن تنهض.

لابد من طرح مدى الحاجة إلى جلب العمالة الوافدة، وقد طرحنا في أحد الندوات أن المشاريع قد تكون واحدة ولكن بنموذج يعتمد على تقنية عالية وبكلفة عالية ونموذج آخر يعتمد على عمالة آسيوية وبتكلفة أقل، ويكون الخيار مع التكلفة الأقل مع الأسف، وبالتالي يجب طرح الحاجة الفعلية لهم، ونوعيتهم، وهنا نتحدث عن نصف مليون أجنبي يمكن أن يصبحوا ربع مليون بقليل من التنظيم.

فبطبيعة الحال يجب أن يكون المواطنون أكثر من الأجانب وليس العكس، وتسهيل الأعمال يكون لمن يحقق الأهداف المطلوبة التي تصب في الصالح العام.

فخرو: تمكين مثلاً أين ستصرف دعمها وفي أي تجاه ، 80 مليوناً في تمكين أين تذهب وما هي نتائجها، وكيف نقيس نجاحنا فيها؟، لا يجب أن نتوقع أننا لن نرى إفلاسات، فهي موجودة على جميع المستويات، وهناك خدمات لن يحتاجها الناس، والاعتماد على الدعم من جهة معينة لن يستمر، وأتفق مع طرح عضو مجلس النواب السلوم، إذ كيف يكون لدينا 500 ألف أجنبي ونتحدث عن عاطلين من أبناء البلد، وهذا مبدأ صحيح، يجب إعادة تأهيلهم وإدخالهم في العمل لأنهم ببساطة أبناؤنا.

أذكر في السابق - ومن المواقف التي يحفظها التاريخ - أن البحرين أجبرت كل المعلمين على رأس عملهم أن يكونوا خريجي جامعة، وعليه جميع المدرسين "أيام لول" أصبح لزاماً عليهم الحصول على دراسة جامعية من أجل الإبقاء على وظيفتهم كمعلمين، وأيضاً أتحدث عن المتقاعدين الذين يصرف عليهم لسنوات ثم يعمل منهم من يعمل ل 15 سنة أو 20 سنة ثم يذهب للتقاعد، وهذه سلوكيات يجب أن تتوقف، فكل شخص ليس لديه مرض يمنعه من العمل لابد أن ينتج.

السلوم: مشروع إصلاح سوق العمل مشروع مميز، ولكن لم يتم تطبيق البنود الثمانية الرئيسة التي تضمنت في المشروع، فمثلاً كان هناك بند يلزم كل ستة أشهر بإحلال البحرينيين مكان الأجانب، وعمل خطة كل سنتين لضمان السير في هذا الاتجاه، ولكن ما حصل هو وجود استثناءات مقابل دفع غرامة، وعليه الكل لجأ لدفع الغرامة بدلاً من إحلال البحرينيين، وبالمثل موضوع الفيزا المرنة.

هناك 500 ألف وظيفة مهنية على أرض الواقع ولا نزال نتحدث عن مخرجات تعليم أكاديمية لا تناسبها، إذا تغيير نوعية البرامج المدروسة لتكون مهنية أكثر حاجة.

عندما طرحوا القيمة المضافة، الكل تحدث عن خلق وظائف محاسبة تقدر ب 30 ألف وظيفة للمحاسبين، ولكن على أرض الواقع وجد برنامج معين يعمل به أحد الأجانب الذين درسوا أساساً في معاهد تدريبية لا في جامعات، وبالتالي يكفي أخذ كورس للتدريب عليه ويقوم بعمل الحسابات المطلوبة مباشرة، إذاً ما نريد طرحه هو جدوى التدريس ونوعه، أما بخصوص تمكين فلابد من أن تتجه نحو الأنشطة المتضررة أكثر، وتحويل عملها إلى برامج مدروسة أكثر ومؤثرة في التغيير بشكل أفضل، ونحن في النواب درسنا مشروعاً لقانون للتحفيز على الاستثمار في البحرين، والتشجيع عليه، وهناك كثير من الدول قامت بوقف الاتفاقيات بسبب جائحة فيروس كورونا، فالاستثمار في الداخل هو الأفضل.

* ثمة وفورات مالية لدينا في صناديق مختلفة، فهل سنستخدمها في المراحل القادمة؟

السلوم: تعتمد الميزانية على التوازن بين الأبواب التي تتضمنها، ولكن الدعم يجب أن يذهب إلى مستحقيه الفعليين، هناك البعض من الناس ممن ينتفعون بدعم الكهرباء هم أصلاً من غير المستحقين للدعم، في مقابل 20 ألف أسرة مسجلة في التنمية الاجتماعية، إذاً نحن نتحدث عن تصويب الدعم وتوجيهه، فمثلاً عندما طرح دعم اللحوم هناك الكثير من الأسر لم تسجل أساساً، وبالتالي فنحن نطرح الترشيد والترشيد المدروس، وبشكل عام أي شيء سيكون فيه نقص لمكتسبات المواطن لن نوافق عليه طبعاً لأننا كنواب نمثل الشعب، والمواطنون لهم ظروفهم إذاً لسنا في وارد التقليص من مكتسباتهم ولكن ترشيد الدعم ممكن، وإعادة التوجيه أمر ممكن أيضاً.

* هل تخافون من رد فعل الشارع بخلاف استقلالية الشورى؟ وهل يمكن أن توافقون على أمر يخدم الوطن ولا يخدم المواطن؟

السلوم: نحن نمثل الشعب، ولا نخاف منهم، ومن واجبنا الدفاع عن المكتسبات، ونحن نعمل بتعاون مع الغرفة التشريعية الثانية بتوافقات وتفاهمات وبالتالي نحن نعمل من أجل مصلحة الوطن والمواطن معاً، وهناك توازنات تتحقق بين الغرفتين وكل ملف حسب ظروفه ومعطياته، والحوار والشفافية تزيل أي خلاف ويمكن تلافي أي صدام قد يحدث.

الدين العام .. وخطر الزيادة

* الدين العام كيف سيكون؟ وهل سنعيد قانون الدين العام الذي توقف؟

فخرو: سيكون أسوأ... فبتقديري الشخصي سيأتينا طلب زيادة السقف، وفي ظل الظروف الحالية وإذا لم يحقق البرنامج المالي أهدافه لن يكفي السقف الحالي لأداء المتطلبات، إلا إذا جاءت ظروف مختلفة تساعد على سداد الدين العام، ولكن في ظل الظروف الحالية لا يوجد مفر من زيادة السقف.

السلوم: في ظل عجز الميزانيات لابد من زيادة في الدين العام، ولكني متفائل بوجود الاكتشاف النفطي الجديد في البحرين، فرغم هبوط أسعار النفط، فحصة البحرين العالمية بسيطة، وطاقتنا محدودة، ولو وجد مصدر جديد فلن نتأثر كثيراً، إذاً الاكتشاف النفطي والتحرك فيه قد يحدث التوازن المطلوب حتى لو نزل السعر إلى 20 دولاراً، فسوف نمر من هذه الأزمة بإذن الله، وطبعاً هناك تكلفة للنفط لا يمكن النزول عنها أكثر لضمان تغطية الكلفة التشغيلية التي تقدر ب 17 دولاراً، وهذا سيكون مخرجاً سحرياً يحقق التوازن، ولابد من توضيح أن سقف الميزانية زاد عن الحد، لأن البنك الدولي طلب إضافة الاقتراضات من الهيئات وأيضاً من الدول الخليجية، فهي كقرض حسن يسدد بعد 7 سنوات، وأيضاً كان هناك هيئات مستقلة مقترضة ولكنها أضيفت بطلب من البنك الدولي، وكل ذلك أدى إلى الزيادة الحاصلة.

المولاني: كل أزمة يجب أن تعيد السياسة الاقتصادية، فعبر التاريخ من اللؤلؤ حتى اكتشاف النفط إلى دخول الصناعات ثم انتعاش البنوك الأوف شور ثم البنوك الإسلامية، ولكن في النهاية يبقى المواطن البحريني هو الأساس، ويبقى تحويل التحديات إلى فرص هو نتاج أي تغيير قد يحدث، وقد نطرح اليوم تغيرات فنتك ونتائجها التي ستتضح مع الوقت وما إذا كانت جيدة فعلاً، إذاً الأزمات تجعلنا نفكر كيف نتعامل مع الوضع، وكيف سنعتمد على أنفسنا أو على الدول القريبة بدل الدول الأبعد.