مع اشتداد تأثير جائحة فيروس كورونا على مختلف الجوانب الحياتية: الصحية والاقتصادية والاجتماعية، والتي أفرزت -بشكل كبير- مشاكل اقتصادية لاحصر له على العالم أجمع، فقد اقترح بعض الأفاضل المهتمين بتفعيل دور الأوقاف، في خضم البحث عن حلول مستدامة لمواجهة مثل هذه الجائحة مستقبلاً، خاصة أن السجل الوقفي يزخر بتاريخ مشرف في التاريخ الإسلامي على كل الأصعدة، كما أن التجربة الوقفية الغربية والأمريكية قد أثبتت فعالية الوقف في حل المشاكل الصعبة، وأصبح الوقف مصدراً كبيراً لدعم بل لتميز خدمات ومخرجات التعليم والخدمات الصحية والأداء الاقتصادي وحل المشاكل الاجتماعية.

لقد لعب الوقف العلمي في أمريكا خاصة دوراً مهماً في التميز العلمي على كافة الأصعدة، وأحرزت الجامعات الغنية بالأوقاف المراتب الأعلى من ناحية التصنيف العلمي على مستوى العالم، من حيث غزارة الإنتاج وجودة التعليم، وعدد الابتكارات، وعدد المرشحين والحائزين على جوائز نوبل العالمية، وتضاهي الأصول الوقفية لهذه الجامعات في مجموعها ميزانيات دول، وهذا الذي مكنها التعاطي مع الأزمة الحالية (كوفيد-19).

رغم أنها بدأت بداية متواضعة جداً، إلا أن الأوقاف تغطي حالياً حوالي 49% من الرسوم لبعض الجامعات للطلبة المعسرين، حسب الدراسة التي أصدرها مركز National Association of Colleges & University Business Officers، وتبلغ الأصول الوقفية لعدد 17 جامعة فقط في أمريكا حوالي 300 مليار دولار وهو رقم كبير جدا، وتشمل هذه الجامعات: مثل جامعة هارفرد التي تملك أصولا بمبلغ 39.43 مليار دولار، وجامعة تكساس 30.31 مليار دولار، وجامعة ياال 30.31 مليار دولار، وجامعة ستانفورد 27.7 مليار دولار، وبرنستون 26.7 مليار دولار... إلخ. وتتبع هذه الجامعات سياسات استثمارية آمنة وطويلة الاجل، حيث تبلغ العوائد الاستثمارية على هذه الأوقاف بنسبة متوسطة 5% والتي تعادل في حالة مثل جامعة هارفرد 2 مليار دولار، وهو مبلغ كبير يمول نسبة من الرسوم الدراسية وإنشاء المباني، والبرامج البحثية وبراءات الاختراع التي تدر على الجامعات دخلا مستداماً، وتهدف الجامعات ومنها هارفرد أن تغطي كل نفقاتها من الأوقاف بحول 2050. كما أن نبعض الدراسات تشير أن 90% من الجامعات الأمريكية والغربية لديها شكل من أشكال الدعم الوقفي، ولا تعتمد اعتماداً كلياً على الرسوم الدراسية، ويبلغ عدد الجامعات التي تمتلك أكثر من مليار دولار أكثر من 91 جامعة وتبلغ محفظة أوقاف هذه الجامعات لوحدها مجتمعة 479 مليار دولار أمريكي، كما جاء في إحصائيات عام 2018.

لقد خطت كثير من الجامعات العالمية خطى تجربة الجامعات الأمريكية لنجاحها الباهر، وتبوأت الجامعات البريطانية المرتبة الثانية بعد الأمريكية من حيث الأصول الوقفية حيث تمتلك جامعة كامبردج (تأسست عام 1209)، أوقافاً بمبلغ 8.2 مليار دولار، وجامعة أكسفورد (تأسست قبل كامبردج) بمبلغ 5.7 مليار دولار، تليها الجامعات الكندية، كجامعة تورنتو حيث تبلغ أوقافها 2.590 مليار دولار، وجامعة كولومبيا البريطانية وأوقافها 1.72 مليار دولار، وجامعة ميغيل الكندية التي بلغ أوقافها 1.60 مليار دولار، وجامعة البرتا التي تملك أوقافا بقيمة 1.32 مليار دولار، وجامعة كوين وأوقافها بقيمة 1.52 مليار دولار، وعشرات الجامعات الأخرى التي تفوق أوقاف الواحدة منها 250 مليون دولار.

يليها الجامعات الأسترالية، كجامعة سدني وأوقافها 1.88 مليار دولار، وجامعة ملبورن وأوقافها مليار دولار أيضاً، والمعهد السويسري للتكنولوجيا ويملك أوقافاً بمبلغ مليار دولار، ثم جامعة كيوتو اليابانية التي تدير وقفاً يزيد على 2 مليار دولار، وجامعة سنغافورة الوطنية NUS والتي تبلغ أصولها الوقفية 600 مليون دولار، وتحتل المرتبة 12 عالميا كأفضل جامعة، والمرتبة 12 أسيوياً، وكذلك جامعة ماليزيا للعلوم والتكنولوجيا التي تبلغ أوقافها 500 مليون دولار... يتبع إن شاء الله.

متخصص في الشؤون

الخيرية والأوقاف