الصداقة عنصر مهم في حياة البشر، وتعد أحد أركان السلامة للحياة النفسية للإنسان، حتى إن حكايات الصداقة ملأت حواديث الأثر القديم، لما لها من تأثير فاعل في تاريخ الإنسان، وهنيئاً لمن كان له صديق صدوق، وأما من خاب أمله، ومنهم الكثير في هذا العصر، الذي يعتقد فيه الشخص أن علاقة الصداقة بينه وبين الطرف الآخر تستند على وتد قوي وذات جذور ممتدة في الأرض، يصعب اقتلاعها بناء على شعوره ومعاملته وأيضاً أصله، فالصديق الأصيل أصبح عملة نادرة في وقت كثرت فيه المغريات، وأصابت الهشاشة العديد من العلاقات الاجتماعية ومنها الصداقة.

فكثيراً ما ننخدع بشخص معتقدين أنه الصديق الوفي فنشاركه مشاعرنا، ونحرص على مشاركته في لحظاته في وقت الفرح والحزن، ونسعى لمساعدته حينما يحتاج المساعدة، بينما يكون هم هذا المدعي هو المصلحة والاستفادة التي ترقى للاستغلال في كثير من الأحيان، وفي الوقت الذي يعتقد فيه الشخص الوفي أن هذه الصداقة هي علاقة صلبة بينه وبين من اختصه بتلك الصفة، والتي بنى عليها علاقة بلا عمد، فتكون الطامة الكبرى عندما يكتشف حقيقة هذه الصداقة، فغالباً ما يصاحب هذا الاكتشاف صدمة كبيرة، فقد لا يكون في حسبانه الحقيقة التي زيفت لذهنه، والصورة الجميلة التي أقامها لذلك المدعي، الذي لم يرد سوى استغلال صديقه، متظاهراً بالوفاء والإخلاص لتخدير الطرف الآخر من أجل أن يستحوذ على جل اهتمامه ويخدعه من أجل الوصول إلى ما يريد والاستفادة منه.

وفي كثير من الأحيان تظهر حقيقة الصديق في المواقف الصعبة على حياتنا، حينما يحتاج الإنسان إلى من يشد أزره في الصعاب وأيضاً الفرح له عندما يحقق النجاح، وتبدأ الأقنعة في السقوط، ويظهر المدعي على حقيقته، وخصوصاً أن ما يصاحب هذه الخيانة هو الشعور بالغيرة والحقد، فعندما يوفقك الله للنجاح سواء في دراستك أو عملك عليك أن تتفحص الوجوه بعيداًعن نشوة الانتصار لتعرف حقيقة من حولك، ففي حال حققت أي نجاح أو تميز قد يكون الطرف الآخر يشعر بأنك تقف على أرض صلبة لتصبح الأقوى فبدل أن يفرح معك ويكون سعيداً لنجاحك في حياتك كما كنت تسعد لفرحه تجده يشعر بالغيرة وربما يحاول أن يعمل على ثنيك عن طريق النجاح معتبراً أن حياتك ملك له، وإذا لم يكنْ له نصيب في النجاح سعى أن تشاركه الفشل أو النقص الذي يعيشه، وسعى لخدمة هدفه الذاتي في تحطيمك، فيجب ألا يكون هناك وجه للمقارنة فلكل منا حياته، وأحياناً يكون الطمع وحب التملك حتى لما ليس ملكه كما جاء في قصة سيدنا داوود عليه السلام، مع الأخوين أصحاب النعاج، عندما كان لأحدهم 99 نعجة وأراد أن يستحوذ على نعجة أخيه الوحيدة، إن المقارنة بين الصديق والآخر يجب ألا تحدث فلكل إمكاناته ورزقه، ويجب على كل منا أن يرضى بما قسمه الله له، فعندما تكتشف الوجه الآخر لهذا الصديق عليك أن تنهي هذه العلاقة فوراً، فلا يجوز أن يكون وراء الصداقة أي هدف أو غاية فالصداقة الحقة مبنية على الوفاء والإخلاص المتبادل بين الطرفين.

وهناك النوع الأسوأ، وهم مدّعو الصداقة الذين يبدؤون المرحلة الأسوأ بعد انتهاء مرحلة الاستغلال، فيبدأ ذلك المدعي بعد أن تكتشف حقيقته وتنهي العلاقة معه في مرحلة الأذى، ربما يكون بغرض إيلامك أو إشعارك بأنك الأضعف، فيبدأ في أن يحيك ضدك الخطط والمؤامرات ليخيفك بتصرفاته أو يتهمك بالباطل ليهد نجاحك، وهنا ستكتشف حقيقة صداقته المسمومة، والتعامل مع هذا النوع من البشر مؤذٍ وقد لا يكون التجاهل كافياً لتجنب أذاه عنك، امنحه بعض الوقت ربما يكون ما يقوم به من إيذاء تنفيساً عن خسارتك ويتوقف، ولكن لا تستسلم كل الوقت فإذا استمر في إيذائك فعليك أن تدافع عن نفسك، واعلم أن الله لن يخذلك، فالذي كشف لك حقيقته وحررك من الصداقة الزائفة قادر على أن ينصرك على التخلص من شروره الأخرى.

الصداقة الحقيقية مبنية على الإخلاص والاحترام دون النظر للمنفعة من الطرفين، صحيح أنك ستتألم عند اكتشاف زيف صديقك ولكن لا تحزن عند الصدمات فلولاها لأصبحنا نعيش مخدوعين مدة طويلة، فالحقيقة كثيراً ما تكون قاسية ولكنها تنقذك من الاستمرار في صداقة تستنفد طاقتك وتشكل عبئاً على حياتك، وجميعنا يعلم أن من ضمن المستحيلات الخل الوفي.