سماهر سيف اليزل

الطب والهندسة والمحاماة والمحاسبة أبرز الوظائف المتأثرة

قال الخبير والباحث في الذكاء الاصطناعي د.جاسم حاجي، إن المستقبل القريب سيشهد تداخلاً كبيراً في المهام التي سيكون بمقدور الذكاء الاصطناعي القيام بها، مؤكداً أن التقارير تشير إلى أن الذكاء الاصطناعي سيساهم بمبلغ 320 مليار دولار في اقتصاد المنطقة بحلول عام 2030، أي ما يعادل زيادة بنسبة 11% في الناتج المحلي الإجمالي، وأن المكاسب الأكبر ستكون من نصيب القطاع العام.

وأوضح حاجي خلال حواره مع "الوطن" أنه يمكن من خلال الذكاء الاصطناعي الترشيد في الإنفاق وإيجاد بدائل للأعمال الروتينية والمتكررة في القطاع العام والخاص، مشيراً إلى أن هناك عدداً من الوظائف ستختفي بعد سيطرة الذكاء الاصطناعي عليها، منها الأطباء، والمهندسون، والمحامون والمحاسبون، وأغلب الوظائف الروتينية العادية.

وبين أن الذكاء الاصطناعي سوف يسرع بلا شك من تطوير اللقاحات، إلا أن هذه التكنولوجيات تعتمد على كميات كبيرة من بيانات التدريب الدقيقة، وبالتالي فإن مرضاً جديداً شديد العدوى يحتوي على بيانات محدودة سوف يمثل تحدياً حتى لتقنيات الذكاء الاصطناعي الأكثر تعقيداً.. وفيما يلي نص الحوار:

- أكدت دراسات أن ما نسبته 85% من الشركات ستعتمد حلول الذكاء الاصطناعي بحلول 2025.. هل يعني ذلك اندثار الوظائف؟

ليس من المتوقع أن تبطأ ثورة الذكاء الاصطناعي في أي وقت قريب. في الواقع، يتوقع الخبراء أنه يمكن استبدال ما يصل إلى 800 مليون وظيفة بتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي بحلول عام 2030. في البداية، بدا وكأن تكنولوجيا التشغيل الآلي والذكاء الاصطناعي في مكان العمل تؤثر فقط على العمال ذوي الياقات الزرقاء والوردية. ومع تقدم هذه التكنولوجيا، بدأ العمال المحترفون من ذوي الياقات البيضاء، بما في ذلك المحاسبون، في القلق بشأن ما يخبئه المستقبل لحياتهم المهنية وما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيجعل من عملهم أمراً عفى عليه الزمن.

بينما لا يوجد هناك شك في أن تقنية الذكاء الاصطناعي قادرة على التعامل مع العديد من المهام المحاسبية بشكل أسرع وأكثر كفاءة، وأن هذه القدرات ستزداد بمرور الوقت، فإن هذا الأمر لا يعني النهاية للمحاسبين. سوف تكون هناك دائماً حاجة للعنصر البشري -الذكاء البشري- في الطرف الآخر من تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي. في الواقع، وفقاً لشركة الأبحاث الرائدة "Gartner" سوف يقوم الذكاء الاصطناعي بتوفير وظائف أكثر من تلك التي سوف يحل محلها، تاركاً للعمال، بمن فيهم المحاسبون الخيارات.

- ما أبرز الوظائف التي ستتأثر بعد إحلال الذكاء الاصطناعي؟

بعض مجالات الطب أو فروعه مهددة بالاختفاء بسبب التطور في تشخيص الأمراض عن طريق الذكاء الاصطناعي، وستكون الحاجة للأطباء لتأكيد الحالات والعلاج بحسب تحليلات الذكاء الاصطناعي، وكذلك المحامون، فالعمل الروتيني وترتيب المستندات في المستقبل سيقل كثيراً جداً، كما المهام القانونية التي تتطلب خبرة وتخصص أقل سيكون لها برمجيات كمبيوتر خاصة تنفذها، بالإضافة إلى المهندسين المعماريين، فلن ينجو سوى المعماريين أصحاب المهارات الإبداعية والذكية.

ومن الوظائف أيضاً المحاسبون، حيث سيختفي المحاسبون الذين يتولون حسابات البسيطة بسبب تراجع الطلب عليهم، إلى جانب الطيارين، إذ ستحل الطائرات بدون طيار محل الطيارين، بالإضافة إلى التسويق العقاري فالوظائف الأكثر عرضة للاختفاء في هذا القطاع هي المديرون في حلقات الإدارة الوسطى، إذ حلت التكنولوجيا محل وظائفهم بالفعل في قطاعات عدة من الاقتصاد. وأيضاً هناك وظائف مثل: مدخل بيانات، وسكرتير إداري، وعامل تجميع في المصانع، وموظف خدمة العملاء، ومدقق مالي.

- يقال إن الذكاء الاصطناعي سيخلق فرص عمل جديدة، كيف تفسرون لنا ذلك وخصوصاً أنه سيلغي عدداً من الوظائف؟

هناك العديد من المخاوف من أن الابتكار التكنولوجي سيؤدي إلى زيادة البطالة، وقمع الأجور وزيادة عدم المساواة. ومع ذلك، فإن تأثير التكنولوجيات الجديدة على أسواق العمل وتوزيع الدخل لا يكون محدداً سلفاً. يمكن لمزيج السياسة الصحيح والترتيبات المؤسسية أن تضمن تقاسم فوائد الابتكار على نطاق واسع، وهي خطوة أساسية لتحقيق أهداف التنمية المستدامة للجميع. يقدم هذا العمل تحليلاً يستند إلى الأدلة للعلاقة بين التقدم التكنولوجي في الآونة الأخيرة وأسواق العمل وعدم المساواة، وتدمير وتحويل وخلق الوظائف.

وتختلف تقديرات حصة الوظائف المعرضة لخطر أن تكون مؤتمتة على نطاق واسع ويمكن أن تصل إلى أرقام مذهلة تزيد عن 80%. وتشير معظم التحليلات إلى أن الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيات الجديدة الأخرى ستستمر في إفادة العمال ذوي المهارات العالية بدرجة عالية من المرونة، والابتكار، والمهارات القوية في حل المشكلات ومهارات التعامل مع الآخرين. من المتوقع أن يواجه العمال ذوو المهارات المنخفضة والمتوسطة، سواء في الوظائف اليدوية أو المعرفية، ضغوطاً إضافية من الآلات الأكثر قدرة من أي وقت مضى وبرامج الذكاء الاصطناعي. وقد يؤدي ذلك إلى تفاقم انخفاض الوظائف ذات المهارات المتوسطة وارتفاع عدم المساواة في الأجور الذي لوحظ في الماضي القريب، لا سيما في العديد من البلدان المتقدمة. ومع ذلك، فإنه من الممكن أيضاً أن تحل الروبوتات المستقبلية التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي على نحو متزايد محل المهنيين المتعلمين وذوي المهارات العالية، مثل الأطباء والمهندسين المعماريين والمبرمجين.

وفي حين أنه لا يوجد ما يدعو إلى التقليل من شأن تأثير التكنولوجيات الجديدة على أسواق العمل وعدم المساواة، فإن معدلات البطالة الناجمة عن التكنولوجيا والتي تبلغ 80% هي ليست من سيناريوهات واقعية في المستقبل. فالتكنولوجيات تستبدل بعض المهام بدلاً من المهن بشكل كامل، والأمر الذي غالباً ما يتم تجاهله، هو أن التكنولوجيات الجديدة تخلق أيضاً الوظائف وتطلب مهارات جديدة من العمال. وعبر التاريخ، عززت الابتكارات التكنولوجية إنتاجية العمال وأوجدت منتجات وأسواق جديدة، مما أتاح فرص عمل جديدة في الاقتصاد. لن يختلف ذلك بالنسبة للذكاء الاصطناعي، والطباعة ثلاثية الأبعاد، والروبوتات.

- هل تعتقدون أن الشركات في البحرين قادرة على التعامل مع تقنية الذكاء الاصطناعي؟

المستقبل القريب سيشهد تداخلاً كبيراً في المهام التي سيكون بمقدور الذكاء الاصطناعي القيام بها، حيث تشير التقارير إلى أن الذكاء الاصطناعي سيساهم بمبلغ 320 مليار دولار في اقتصاد المنطقة بحلول عام 2030، أي ما يعادل زيادة بنسبة 11% في الناتج المحلي الإجمالي، خلال ما يقارب عقد من الزمان، في حين أنه من المرجح أن تستفيد بشكل كبير الصناعات التجارية الخاصة، كالبيع بالتجزئة وغيرها، من تطبيقات الذكاء الاصطناعي، إلا أن المكاسب الأكبر ستكون من نصيب القطاع العام.

يمكن من خلال الذكاء الاصطناعي الترشيد في الإنفاق وإيجاد بدائل للأعمال الروتينية والمتكررة في القطاع العام والخاص مثل عمليات الذكاء الاصطناعي كالـ"الشات بوت" بما يسمى بـ"مساعدي الذكاء الاصطناعي" في عدة بنوك، إضافةً إلى أنه من الممكن تطويره لخدمات المواطنين والمراجعين في عدة وزارات حكومية وتطويرهم لتكنولوجيا أفضل كالروبوتات في عمليات أكثر تعقيداً في جميع الوزارات. أعتقد بأن الذكاء الاصطناعي أصبح يمكن استخدامه في عدة مجالات مثل الصحة والتربية والأمن وغيره من المجالات، فهذه المجالات تحتاج أن تتطور بفضل الذكاء الاصطناعي على المدى القريب.

- دشنت "البوليتكنك" مؤخراً مختبراً للذكاء الاصطناعي.. كيف سيسهم في تعزيز قدرات المنخرطين في برامجه؟

أكبر دور في الترويج للذكاء الاصطناعي تلعبه المدارس والجامعات مثل جامعة البحرين وجامعة بوليتكنك، ففي كل عام يتم تخريج عدد كبير من الخريجات والخريجين في مجال تكنولوجيا المعلومات، علوم المستقبل، وبالأخص في الذكاء الاصطناعي. كما شاهدنا مؤخراً الكثير من الطالبات بالأخص ذوو المشاريع التي تخص الروبوتات والذكاء الاصطناعي، مشاريع تفتخر بها البحرين. يجب علينا استثمار هذه الطاقات والكفاءات الشابة، لذا برأيي تجميع هذا الكادر في مركز إقليمي في البحرين للبحث والتطوير في مجال الذكاء الاصطناعي وجذب الشركات الأمريكية وبرمجة الروبوتات والذكاء الاصطناعي في البحرين وتصديرها لدول المنطقة بدلاً من العمل في دول آسيا ودول أوروبا الشرقية، سكون لنا فرصة عظيمة في خلق فرص عمل للشباب في مجال التكنولوجيا.

- وهل تشجعون باقي الجامعات والمدارس على افتتاح مختبرات مماثلة خصوصاً في مثل هذه الظروف الصحية الاستثنائية؟

مع انتشار وباء كورونا وتهديداته وما واجه العالم بأكمله من توتر في مختلف المجالات، لعل هذا سبباً كافياً يجعلنا نلقي الضوء أكثر ونتحدث بجدية أكبر حول موضوع إدخال الذكاء الاصطناعي في مجال التعليم. والذي لطالما تحدثنا عنه محاولين لفت الانتباه بأهمية أخذ هذا الموضوع بعين الاعتبار. وها نحن نقارن أنفسنا مع ما استطاعت الدول الأخرى من تحقيقه في مجال التعليم في هذه الظروف.

فبالحديث عن الذكاء الاصطناعي لعل من أبرز ما يستطيع الذكاء الاصطناعي تحقيقه في مجال التربية هو أن يكون قادراً على جعل التجربة التعليمية أكثر فاعلية وجاذبية وتطور لكل من المعلمين والطلاب، وهذا ما ساندنا عليه النائب يوسف زينل وأيده.

أصبحت الأشكال الجديدة للتعليم عبر الإنترنت مهمة أكثر فأكثر. وسوف تصبح جزءاً من عملية التعلم على جميع المستويات، خصوصاً مع هذه الأوضاع والتهديدات التي تواجهنا وتحسباً لما قد يحدث في المستقبل.

فبفضل الذكاء الاصطناعي، سوف تتعلم أنظمة التعليم عبر الإنترنت مع تعلم الطلاب وفهم احتياجاتهم ودعمهم بخط سير مخصص، كما سوف تسرع تحليلات التعلم في تطوير الأدوات جديدة للتعليم الشخصي.

فمع استخدام التقنيات التي تدعمها الذكاء الاصطناعي، سوف يتم حل مشكلة نهج "المقاس الواحد يناسب الجميع" في التدريس. بفضل خوارزميات التعلم الآلي، سيتمكن المعلمون من تحديد الاحتياجات التعليمية لطلابهم، والعثور على الفجوات في أساليبهم، مع الإشارة إلى الأماكن التي يجد الطلاب فيها الصعوبة أكثر من غيرهم، ولعل هذا يحتسب نقطة إيجابية لوجود الذكاء الاصطناعي في التعليم.

بفضل إنترنت الأشياء والخدمات القائمة على السحاب، يمكن للطلاب الحصول بسهولة على المساعدة عن بُعد من الأقران والمعلمين على بعد آلاف الأميال مما سيسهل عليهم الأمر.

يساعد استخدام المعلمين الذين يعتمدون على الذكاء الاصطناعي الطلاب على تبني سلوكيات تعلم مثمرة، مثل التنظيم الذاتي والشرح الذاتي. ويمكن للتعاون مع جهاز كمبيوتر بشري أن يساعد الطلاب على التعلم باستخدام مناهج جديدة لا يمكننا تخيلها بعد.

وبما يخص الكتب الدراسية فأصبحت الشركات الآن قادرة على إنشاء كتب مدرسية مخصصة. يستورد المربون مناهجهم الدراسية وموادهم في محركهم ، ويقرأ النظام المحتوى ويتقنه، ثم يتم العثور على أنماط جديدة. سوف تستخدم خوارزميات الذكاء الاصطناعي للمحرك المعلومات المكتسبة لإنشاء كتب مدرسية ومواد الفصل على أساس المفاهيم الأساسية.

قد يكون هذا الحل هو الحل المثالي لوضعنا الحالي والمستقبلي لتجنب تعطيل الدراسة وإيقاف الطلبة عن الدراسة مهما كانت الظروف والأوضاع، فوجود هذه الخاصية في التعليم يجعلها أكثر تطوراً. فعلى الرغم من التوجيهات الصحية التي يتلقاها الطلبة للوقاية من الوباء إلا أنه يحتاج أن يكون في بيئة تسمح له بالتعليم دون الشعور بالخطر، فالتعليم عن بعد يسمح للطالب بتلقي دروسه وإكمال عامة الدراسي دون الخوف مما يحدث في الخارج.

- كيف ترون أهمية الذكاء الاصطناعي والتحول نحو الرقمنة في ظل "كورونا"؟

يمكن للذكاء الاصطناعي اكتشاف الأنماط في البيانات والقيام بالتوقعات، والراجح هو أن تتمكن هذه الأدوات من تحديد احتمالات الأدوية لاختبارها على البشر في غضون أشهر. ومع تحول وتغير فيروسات كورونا مثل كوفيد 19، يجب أن يكون الدواء المرشح فعالاً ضد مجموعة واسعة من الأشكال المحتملة.

في حين أن الذكاء الاصطناعي سوف يسرع بلا شك من تطوير اللقاحات، إلا أن هذه التكنولوجيات تعتمد على كميات كبيرة من بيانات التدريب الدقيقة. وبالتالي فإن مرضاً جديداً شديد العدوى يحتوي على بيانات محدودة سوف يمثل تحدياً حتى لتقنيات الذكاء الاصطناعي الأكثر تعقيداً.

- حدثنا عن أبرز التحديات التي تواجه الشركات والبنوك في حال الاعتماد كلياً على تقنية الذكاء الاصطناعي؟

• إن إمكانية الوصول إلى البيانات المالية الحساسة يعني أيضاً قابلية التعرض للهجمات الضارة، وبالتالي توجد (ويلزم أن تكون) تدابير أمان إلكتروني أقوى في صناعة التكنولوجيا المالية مقارنة بالصناعات الأخرى الموجودة بما يتعلق بالذكاء الاصطناعي.

• عدم توافر البيانات المطلوبة في قاعدة البيانات الصغيرة في المؤسسة المالية، حيث أن التحليلات ذات الجودة العالية للذكاء الاصطناعي تعتمد على تدفق الكثير من البيانات الضخمة. إن مجرد تنقيب ومعالجة وتحليل كمية هذه البيانات هو جهد هائل بالإضافة إلى الحاجة إلى جعل خصوصية المستخدمين في المقدمة.

• سمعة العلامة التجارية للمؤسسة المالية والثقة، فحادثة ضارة واحدة يمكن أن تدمر السمعة المالية للمؤسسة. هناك سمعة تجارية يجب على البنوك والمؤسسات المالية الالتزام بها، ويرجع ذلك جزئيًا إلى أن هذه المؤسسات هي من تدير أمورك المالية نيابة عنك، والناس يثقون في البنوك لتكون مستودعهم المركزي للأموال والتمويل.

• نقص المهارات المطلوبة للتعامل مع المعاملات المصرفية باستخدام الذكاء الاصطناعي مثل محللي البيانات، المبرمجين.

• كلفة عالية لصيانة الحلول الذكية، خاصة بما يتعلق بالتعلم الآلي ولتعلم العميق.

• عامل الخطر والامتثال والقانون والخصوصية، حيث إن التوصيات الخارجة من الذكاء الاصطناعي ستحتاج إلى محللي ومهندسي بيانات متخصصين لتحليلها، وإلا فإن التوصيات قد لا تكون بحسب المطلوب خاصة فيما يتعلق بالقروض والاحتيال والقوانين العامة. فهي مجالات شديدة التنظيم، ويجب التحقق من كل منتج وخدمة تقدمها هناك ويجب على الفريق المختص وضع ختم موافقتهم عليها.

• ارتفاع كلفة الاستثمار، ففي البداية تحتاج البنوك للاستثمار على المدى الطويل بين 1-3 سنوات حتى يستطيعون الحصول على المردود المطلوب.