تلفزيون الشرق


يعرف أيّ شخص خضع لاختبار مسحة الأنف أو فحص اللعاب أن فيروس كورونا المستجد يُمكن اكتشافه بسهولة عن طريق تلك المسحة، فالأجسام المناعية الموّلدة ضد الفيروس تظهر جلية في تلك المسحات، ما يُشير إلى وجود نوع من المناعة في الأنف واللعاب قد يكونا قادرين على دحر الفيروس وهزيمته، حسبما يقول باحثون من جامعة" بوفالو" في ورقة بحثية نُشرت نتائجها، الاثنين، في دورية "فرونتيرز إن إميونولجي".

يُعد الجهاز المناعي المُخاطي أكبر عنصر في جهاز المناعة. إذ أن المُخاط ينتشر في مناطق كبيرة من الجسم، مؤديًا مجموعة من الوظائف الهامة تشمل التكاثر وامتصاص العناصر الغذائية والتبادل الغازي وحتى الدفاع عن الجسم ضد البكتيريا والميكروبات.

الجهاز المناعي المخاطي

ينشط الجهاز المناعي حال التعرض للهجوم من الفيروسات أيضاً، ويقوم بعمل استجابة التهابية ضد تلك الأجسام عبر استخدام آليات مُنظمة جينيًا يتم التحكم فيها عبر جينات الاستجابة المناعية.. وهذا ما يحدث بالضبط حال مهاجمة فيروس كورونا للبشر، حسبما تقول أستاذة المناعة في جامعة ألاباما الأميركية زينا مولدوفينو، وهي المؤلفة المشاركة في الدراسة في تصريحات خاصة لـ"الشرق".

وأضافت مولدوفينو "أغفل العلماء وتجاهلوا دراسة الاستجابة المناعية المخاطية بشكل كبير، وهو أمر خطير للغاية"، مشيرة إلى أن التجاهل أساسه "عدم التركيز على مكان الإصابة الأولي المتمثل في الأنف والمُخاط".

يُركز العلماء حول العالم على دراسة حالات المرض الشديدة. يتطور المرض وتشتد أعراضه حين يتكاثر الفيروس في الجهاز التنفسي السفلي وبخاصة الرئتين. وهناك، تؤدي الاستجابات المناعية الخلوية إلى تفاقم الالتهاب بدلاً من محاربة العدوى، ويُصاب الجسم بعاصفة السيتوكين المناعية، فيهاجم الجسم نفسه وتتفاقم الحالة أكثر فأكثر ما يؤدي إلى الوفاة في بعض الأحيان.

الأضداد المناعية

ذلك لا يحدث على الإطلاق في الجهاز المناعي المخاطي، تقول "مولدوفينو"، فمناعة المُخاط لا يُمكن أن تُنشئ العواصف السيتوكينية على الإطلاق.

وتؤكد "مولدوفينو" في تصريحاتها لـ"الشرق"، أن هناك أنواع عديدة من الأضداد، وهي مجموعة من البروتينات التي تسبح في الدم ويتم استخدامها من قبل الجهاز المناعي للتعرف على البكتيريا والفيروسات وغيرها من الكائنات المُمرضة.

وتشمل تلك الأضداد الجلوبين المناعي من النوع A والذي يتواجد في المُخاط، والجلوبين المناعي من النوع D والذي يتواجد على سطح الخلايا البائية والكريين المناعي من النوع H الذي يرتبط بمضادات الهستامين ويُسبب الحساسية والكريين المناعي من النوع M والذي يتواجد على سطح الخلايا البائية علاوة علي مستضدات الجلوبين المناعي المجموعي IgG.

ويُكون البشر استجابة ضد فيروس كورونا المستجد تُسمى بـ"استجابة الجسم المضاد للجلوبين المناعي المجموعي ج IgG" وهو أكثر الأضداد عددًا إذ يشكل 70% من مجموع الأجسام المناعية، إذ أن تلك الأجسام مسؤولة عن تنشيط الاستجابة المناعية والبلاعم.. لكنها وحدها لا تكفي، حسبما جاء في تلك الدراسة.

فالجهاز التنفسي العلوي، بما في ذلك الأنف واللوزتين واللحمية، هي النقطة الأولية للإصابة بفيروس كورونا، وبالتالي فإن الاستجابات المناعية التي تنشط هناك لها أهمية خاصة. وفي ذلك الجهاز تنشط الاستجابة المناعية المخاطية.

يُقدر المركز الأمريكي للسيطرة على الأمراض والوقاية منها CDC، نسبة المُصابين بفيروس كورونا دون ظهور أيّ أعراض عليهم بنحو 50%، وذلك يعني أن "شيء ما في مكان ما يقوم بعمل جيد إلى حد كبير في السيطرة على الفيروس"، حسبما يؤكد المؤلف الأول للدراسة مايكل راسل، في بيان صحافي، تلقت "الشرق" نسخة منه.

ويشير "راسل"، إلى أن ذلك الشئ "ربما يكون جهاز المناعة المخاطي".

"بالنظر إلى أن العديد من المصابين الذين لا تظهر عليهم أعراض، وأن عدداً كبيراً ممن تظهر عليهم الأعراض يعانون من مرض خفيف إلى متوسط ​​فقط، فإن هذا يشير إلى أن شيئاً ما، في مكان ما، يقوم بعمل جيد إلى حد ما في السيطرة على الفيروس"،بحسب البيان. فهل يمكن أن يكون هذا بسبب الاستجابات المناعية المخاطية المبكرة التي نجحت في احتواء العدوى والقضاء عليها قبل أن تصبح خطيرة؟ "لن نعرف ما لم يتم التعامل مع ذلك السؤال" يقول "راسل".

لقاح في المخاط

توصي الورقة البحثية بضرورة إجراء دراسات لتحديد استجابات الجلوبين المناعي من النوع A لتحديد استجابات المخاط خلال مسارات العدوى، بما في ذلك العدوى دون أعراض أو قبل الأعراض، وفي الحالات الخفيفة والمتوسطة.

ويشير المؤلفون إلى أن الاستجابات المناعية للأغشية المخاطية قد تختلف باختلاف الفئات العمرية والجنس والعرق "وقد تكون هي المسؤولة عن زيادة نسبة الإصابات في فئات معينة من البشر وقلة نسب الإصابة في أعراق أخرى"، وفق ما قالته "مولدوفينو" في تصريحاتها لـ"الشرق".

وقد تخبرنا الدراسات التي تتناول المناعة المخاطية عن طُرق لتطوير نوع من اللقاح، مثل اللقاح الأنفي "والذي يُمكن أن يكون أسها في عمليات التخزين والنقل والإدارة.

وتشير "مولدوفينو" إلى أن ذلك النوع من اللقاحات "قيد التطوير الآن وسيشكل طريقة جديدة كُليًا للتعامل مع فيروس كورونا".

وتتميز تلك اللقاحات، التي تم الكشف عن آلياتها في تلك الدراسة، بأنها لا تتطلب الحفظ في درجات حرارة منخفضة، كما أنها ستكون أكثر قبولًا من شرائح أكبر من السكان وخاصة الأطفال لأنها لا تُحقن في الجسم.

ويوضح "راسل" أن إحدى الميزات المحتملة للقاح الغشاء المخاطي هي أنها تُحفز الاستجابات في المسالك المخاطية، بما في ذلك الأجسام المضادة في الجهاز التنفسي العلوي "وهو الجزء الذي الأول الذي يتصل به الفيروس عند دخوله الجسد البشري".