غامض، محير، مليء بالشك، مترف بالمفاجآت، يباغتك دون استعداد، يتسلل لحياتك من حيث لا تتوقع، تدور حوله الأساطير والفرضيات.

وَحّد العالم حوله بتاريخه الصعب، وتناقلته الموروثات المجتمعية والشعبية من أنحاء المعمورة عاماً بعد عام، دون فهمٍ واضح أو وصول لكنهه وماهيته.

هو التوحد، أجل التوحد، حقيقي للغاية، يكبر ويسير مع أبنائنا، لا ظلاً، وإنما ضمناً.

أحياناً أفكر لو أنه يقاس بشكل فيزيائي، لو أنه يظهر نفسه بشكل ملموس كما تظهر خلايا الدم المنجلية نفسها -هلالية الشكل وهزيلة- في صورعينات الدم المخبرية، أو حتى كما أظهر فايروس كورونا (كوفيدـ19) المستجد نفسه للعالم في نهايات العام 2019 وبدايات العام 2020 وكشف عن لثام أعراضه، وتبعات الإصابة به، مما وفر للبشرية جمعاء حيزاً لمعرفة ما يواجهون وكيف يستعدون وكيف يختبرون صنع وتطوير أدواته العلاجية.

هذا التوحد، لو أنه يقاس أو يكشف عن نفسه بشكل ملموس، أكنا حينها سنتعامل معه بشكلٍ أفضل؟

بطبيعة الحال، نحن أعداء ما نجهل، ونقاتل عدواً خفياً في حرب تأخذ العمر كله، وتحيل حيواتنا البسيطة لطرق لم نكن نتخيل أننا سنعبر من خلالها: التقييم المتجدد، البحث عن اختصاصيين في النطق واللغة، اختصاصيي السلوك واختصاصيي العلاج المهني، أكان أحدنا يعلم بوجود علاج مهني أصلا قبل أن يصطدم بالتوحد؟؟ وغيرها الكثير.

يثير العجب والذهول، فكيف لعقل إنسانٍ كامل التكوين ومطابق للجميع خارجياً، أن يعمل بطريقة متميزة ومختلفة من الداخل؟ ونحن كم أضعنا من السنين ندرس عقل الإنسان تكويناً من الخارج، وكم يلزمنا من العمر أكثر لنسبر أغواره من الداخل؟

هذا التوحد، الأسطورة التي عجز الجميع عن فهمها وفك عقدها، كلما اقتربنا منه لنعرفه، ابتعد عنا أكثر.

هذا التوحد، الأسطورة التي تحولت إلى حقيقة واقعه في حياتنا وحياة أطفالنا، يوماً ما، سنفك عقدة ورموز الأسطورة.

وإلى ذلك الحين، نحن حامدون شاكرون لله على جزيل عطاياه، ونبذل الغالي والنفيس ليحيا أطفال وشباب التوحد في هذه

المعمورة أفضل حياة، بخير وسعادة ونماء.

د. فاطمة مرهون

طبيبة ومستشارة وراثية

رئيسة اللجنة التثقيفية التوعوية

جمعية التوحديين البحرينية