في العقدين الماضيين، بات منظر ذوي العزيمة العاملين في مختلف قطاعات الدولة، منظراً يبث الاطمئنان والغبطة لتمكينهم من الانخراط في سوق العمل وتحقيق ذاتهم وإشراكهم في العجلة التنموية الإصلاحية التي أرسى مبادئها ورؤيتها صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة عاهل البلاد المفدى.

فمنظر الشاب الذي يعتمد على كرسيه المتحرك في حركته، ليس بغريب وهو يتنقل بأريحية تامة وكل تقدير واحترام مؤدياً الأعمال المنوطه به، كذلك الشابة التي تتكئ بعكازين لا تخطئه العين، وأيضاً المتحدثين بلغة الإشارة والآخرين الذين يؤدون مختلف الأعمال المكتبية والعملية برفقة مرافقين، كلها صور واقعية استغرقت الكثير من الجهد والمتابعة لترى النور في مملكتنا الغالية والعالم أجمع.

إن صورة التنوع الجميل في دمج ذوي الهمم وإدخالهم في إطار الحياة العملية، تبقى ناقصة وغير ملونة دون وجود شريحة كبيرة لاتزال مغيبة ومخفية عن سوق العمل، وهي فئة الشباب والفتيات المصابين باضطراب طيف التوحد. أسئلة بسيطة ما إن تطرح، حتى تأتي معها زفرات وهموم من عوائل المصابين بالتوحد في البحرين، ولكن قبل أن أطرح هذه الأسئلة، سأستعرض معكم تجربة جانيت بيركيس، الأسترالية البالغة من العمر اليوم 47 عاماً، حيث ألفت جانيت 10 كتب عن مختلف المواضيع المتعلقة بالتوحد وتجاربها الشخصية كامرأة عاملة، وخصصت كتابين للتوعية وتهيئة الأفراد المصابين بالتوحد عن الاستعداد والدخول لعالم العمل الشيق وكيفية التغلب على التحديات والمصاعب التي قد يواجهها الشاب أو الشابة في الإندماج في مختلف قطاعات العمل.

تقول جانيت في إحدى المقابلات المنشورة معها: "من المهم حقاً الحصول على التدخل المبكر والتأهيل المستمر ودمج ذوي التوحد في المجتمع وإبرازهم في الصورة.إن مكنا الأشخاص المصابين بالتوحد من الثقة بأنفسهم واكتشاف قدراتهم وأعطيناهم فرص العمل الملائمة، فأنا واثقة أنهم يمكنهم العمل وسيكونون موظفين ممتازين".

وتضيف أيضاً: "نحن أشخاص نقوم بعمل جيد بالفعل. فهنالك نوع من المهارات اللينة الفطرية التي نمتلكها ولا يمتلكها الآخرون، وهي مثبته علمياً، مثل الاهتمام بالتفاصيل وعدم تجاوز أو نسيان الخطوات التسلسلية لأي عمل. نحن أيضًا مصممون جدًا وفي غاية التركيز. غالبًا لا نأخذ أياماً مرضية غير ضرورية أو نشرب الخمر أو أي شيء من هذا السلوكيات المضرة بالعمل والغير مقبولة اجتماعياً، وهذا ينطبق أيضاً على الموظفين ذوي الإعاقة بشكل عام.

الحماس، نحن متحمسون جداً في بعض الاهتمامات، هل تعلم أنك إذا حصلت على شاب يحب القطارات ويفكر بالقطارات ومضطلع على تفاصيلها الدقيقة وحصل وأعطيته وظيفة في السكك الحديدية، فسيكون موظفاً رائعاً ومتفاعلاً ومتحمساً، وهذا الحماس سينتقل إلى زملائه، وهذا شيء عظيم".

إلى هني انتهي من استعراض تجربة الأسترالية جانيت، الذي صدر عام 2014 وأعود لطرح الأسئلة الحقيقية عن واقع عمل التوحديين في البحرين:

- أين يعمل الشباب المصابين باضطراب طيف التوحد؟ وكم عددهم؟

- ما هي الفرص المتوفر لأبنائنا المصابين بالتوحد الذين يوشكون على إنهاء المراحل الآتية: (الثانوية العامة، الجامعية، المراكز التأهيلية المهنية)

- ما هو متوسط أجور التوحديين العاملين في البحرين؟

- ما هي أوجه المساعدة التي تقدم لهم في جهات عملهم؟

- إلى أين يتوجه الشاب المصاب بالتوحد حين يتعرض للفصل أو المضايقة أو التنمر في العمل؟

- هل تقوم الجهات التأهيلية والتدريبية بتوظيف خريجيها المصابين بالتوحد لديها؟ بحكم معرفتهم وأهليتهم للتعامل مع كل حالاتهم وتمكينهم من التدرج الوظيفي.

كل الإجابات تحتمل النفي مع الأسف الشديد، ولكن بإذن الله بتكاتفنا المجتمعي وتعاون مختلف جهات ومؤسسات الدولة، سنصل لصورة الدمج الوظيفي يوماً ما في مملكتنا الغالية بما يحقق ويخدم هذه الفئة المغيبة عن قطاع العمل لأسباب تنظيمية وتوعوية.

ختاماً، أتمنى من المهتمين والناشطين في مجال التوحد، بالإضافة لملاك ومدراء المراكز التأهيلية التي تعنى بالتوحديين في البحرين، الاضطلاع على هذا الكتاب ووضع خطط مستقبلية ذات ديمومة ونظرة بعيدة المدى للتمكين من تفعيل الدمج الحقيقي والمجتمعي للتوحديين في قطاعي التعليم والعمل بإذن الله.

د . فاطمة مرهون

رئيسة اللجنة التوعوية التثقيفية

جمعية التوحدين البحرينية