أدار الندوة: أيمن شكل - تصوير: سهيل وزير:

كشف محامون ووسطاء مسجلون عن وجود اتجاه قوي لهجرة القواعد والنظريات القانونية التقليدية لدى الكيانات الاقتصادية وكذلك الحكومية، واستبدالها بالوساطة في حل النزاعات، لأنها توفر الوقت وتخفض التكلفة وتمنح الخصوصية وتخلص إلى حلول قد لا تكون قانونية لكنها مرضية للأطراف، مؤكدين أن الوساطة ستسود في المستقبل بصفتها مزيجاً بين القانون والإدارة.

ودعوا خلال ندوة "الوطن"، حول "مفهوم الوساطة"، القطاعين العام والخاص بصفتهم مستهلكين للوساطة للقيام بدور فعال في تطويرها، ومد الوسطاء بخبرات فنية في النزاعات النوعية والمتخصصة، وقالوا إن 87% من عمليات الوساطة انتهت بحلول مرضية للأطراف على مستوى العالم.

وشارك في الندوة كل من عضو مجلس الشورى علي العرادي، والمحاميين د. محمد رضا بوحسين ونواف السيد، حيث أكد العرادي، أن ما نسبته 99% من قضايا الوساطة لا تأخذ زمناً طويلاً لتغيير القرارات بحسب الظروف الخارجية.

وأضاف العرادي أن الوساطة تتمثل في إنهاء الدعوى الجنائية في مرحلة بداية الدعوى وقبل صدور حكم، ويمكن للوساطة إيقاف العقوبة أو تخلص إلى عقوبة بديلة إذا تمت بعد أن يصدر حكم نهائي وبات في الدعوى.

وفيما قال بوحسين: "إن فلسفة وجود الوسيط تختلف عن فلسفة المحامي والمحكم والقاضي وإن الوساطة بديل للقضاء"، أوضح السيد أن مفهوم الوساطة بأنواعها سواء الجنائية أو المدنية والتجارية، والقادمة قريباً الشرعية، ليس بجديد، لكن الجديد هو المنهجية العلمية التي يتبعها الوسيط لمحاولة إيصال الطرفين لحل يكون مصدره الأطراف.. وفيما يأتي نص الندوة:

"الوطن": كيف يمكن التعريف عن الوساطة للمتعاملين مع القضاء، وما هو الفرق بين الوساطة المدنية والتجارية والجنائية؟

- العرادي: عندما يكون هناك نزاع بين أشخاص سواء مدني أو تجاري يلجأ الأطراف للطريق الاعتيادي وهو القضاء، وعبر التاريخ كانت هناك وسائل بديلة للقضاء ويختارها الأطراف لوجود بعض المميزات التي تناسب هذا القطاع.

فعلى سبيل المثال، قد يحتاج الأطراف إلى السرعة في إنجاز النزاع نظراً إلى ما يمكن أن يستلزمه القضاء من وقت طويل للفصل في النزاعات، أو قد يحتاج الأطراف إلى السرية والخصوصية بمعنى عدم حضور أي أشخاص آخرين تفاصيل النزاع وحصره بين أشخاص معينين، وعادة ما يحدث ذلك في شركات كبيرة لديها مساهمون أو غيرها، وقد يحتاج الأطراف لاختيار توقيت تسوية النزاع بما يناسبهم وأعمالهم، أو اختيار الأطراف لغة مغايرة لتسوية النزاع.

وتعتبر الوساطة بديلاً للقضاء يختارها الأطراف لما تحويه من المميزات السابقة، وتعتبر بالتالي رديفة للقضاء، وتكمن قوة القضاء في أنه السلطة المختصة بالفصل في المنازعات بين الناس، بينما قوة هذه الوسيلة تكمن فيما يطلق عليه "سلطان الإرادة"، وهو أن أطراف النزاع توافقوا على تسوية النزاع باستخدام هذه الوسيلة، وقوة الوساطة تأتي من إرادة الأطراف.

وتتعدد وسائل الوساطة حيث يأتي في المقدمة التفاوض المباشر بعدم اللجوء للقضاء وحل النزاع ودياً بين الأطراف وخاصة لو كان النزاع مدنياً أو تجارياً، وعند الفشل في أول وسيلة، يتم اللجوء إلى طرف ثالث وهو الوسيط واختياره من الأطراف باعتباره محايداً وموضوعياً ويملك الأدوات والمهارات التي تساعد الأطراف على رؤية النزاع من وجهة نظر مختلفة وهو ما يطلق عليه "الوسيط".

"الوطن": ألم تكن الوساطة موجودة من قبل فيما يعرف بالمجالس والعرف القبلي، وهل الوساطة عودة للماضي؟

- بوحسين: الموضوع قديم حديث، ولكن وسائل ضبط المنازعات ووصولها للقضاء يجب أن يتطور ويتدرج من ناحية حسم المنازعات، ومعظم الدول وضعت أسساً لإستراتيجية قائمة على قواعد رؤية اقتصادية بعيدة المدى، متخذة من التنمية المستدامة أساساً للتوازن بين متطلبات الحاضر والمستقبل لبناء منظومة اقتصادية متينة.

والقانون يعتبر وليد حاجة المجتمع وترجمة لقواعد وإجراءات لتنفيذ برامج وأهداف الدولة، وأعتقد أن حديث صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة ولي العهد رئيس الوزراء قد لخص إستراتيجية العمل الحكومي، وأهمية تطوير المنظومة القانونية لأنها تعتبر الركيزة الأساسية لتطوير معظم الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في المملكة.

أنشئت وسيلة الوساطة لفض المنازعات، نظراً إلى التطور الاقتصادي في الألفية الثالثة على الرغم من كونها آلية قديمة، وأرى أن الرؤية الاقتصادية 2030 قائمة على معايير تتفق مع الاقتصاد الرقمي والحوكمة والانفتاح الاقتصادي والخصخصة، وبالتالي آليات التعاون في العصر الرقمي الذي يختلف عن العمل التقليدي السابق.

هناك اتجاه قوي لهجرة القواعد والنظريات القانونية التقليدية وإيجاد منظومة غير مرتبطة بقواعد أو إقليم أو جهة اختصاص معينة، لكي تحكم التجارة العابرة للقارات، وبسبب التطور الاقتصادي، وتعتبر الوساطة نموذجاً يتمتع بالعقلانية الاقتصادية والتنظيم الإداري والقانوني المدعوم من المشرع.

فقد اكتشف المستثمرون أن عنصر الوقت له أهمية قصوى في إنهاء النزاعات، ولذلك لجأوا لمثل هذه الوسيلة البديلة عن القضاء بسبب البطء والتكاليف، وتقوم الوساطة على أساسين: إداري وقانوني، وفي بعض الأحيان تكون وساطة تيسيرية أو تقييمية، وتعتبر الوساطة مزيجاً بين القانون والإدارة، ولذلك فإن دعم المشرع له أهمية في إقرار الوساطة حتى تأخذ شكلها القانوني الملزم.

"الوطن": كيف ترى التداخل بين مهنتي الوساطة والمحاماة، وتأثيره على طالب الوساطة وما هي آلية العمل في هذه الحالة؟

- السيد: مفهوم الوساطة بأنواعها سواء الجنائية أو المدنية والتجارية، والقادمة قريباً الشرعية، ليس بجديد، ولكن الجديد هو المنهجية العلمية التي يتبعها الوسيط لمحاولة إيصال الطرفين لحل يكون مصدره الأطراف.

ويختلف دور الوسيط عن المحكم أو القاضي، في أنه يدفع الأطراف لخلق الحل وليس من وظائفه فرض الحل على الطاولة، وكذلك إعطاء الطرفين المساحة الكافية للوصول إلى تقاطع في منطقة تؤدي للحل، ولا يشترط في هذا الحل أن يكون قانونياً أو يستند لمادة قانونية، فلربما يرتضي أحد الأطراف حلاً بعيداً عن القواعد القانونية.

أما بالنسبة إلى مسألة اللجوء للوسيط والتداخل مع مهنة المحاماة، فهناك مبادئ عامة، منها الإفصاح قبل بدء الوساطة عن علاقته بأحد الأطراف أو تعارض المصالح معه، من حيث المبدأ ويعطي المساحة المتساوية للطرفين لكي يعرض نزاعه بالطريقة التي يراها والتوقيت المنضبط المتساوي لعرض النزاع، ولا يدخل الأطراف غرفة الوساطة إلا بعد التأكد من نزاهة الوسيط وحياديته.

ولعل من أهم المناهج العلمية للوسيط، أن يعلم مفاهيم المجتمع وأن يكون لديه القدرة على قراءة وتحليل الأطراف ومراكزهم القانونية والاجتماعية بحيث يصل إلى مساحة يتقاطع فيها الأطراف عند حل توافقي ينطقون هم به.

"الوطن": كيف يمكن إيجاد مساحة رضائية لأطراف النزاع الجنائي الذي تميل فيه كفة المجني عليه، وما هو الحد الفاصل بين الوسيط والمحامي؟

- العرادي: الوساطة تعتبر وسيلة قديمة تم تنظيمها عبر التاريخ، ومن أمثلة ذلك في البحرين تأسيس المجلس العرفي في بداية عشرينيات القرن الماضي، وكان أيضاً نواة لغرفة التجارة والصناعة التي بدأت بـ9 أعضاء معينين ومثلهم منتخبين وكان يضم رئيساً وممثلين عن كافة القطاعات الاقتصادية في البحرين، وعندما كان ينشأ أي نزاع.

كان المجلس يقوم بتسوية النزاع عبر الوساطة، بحيث يوكل لشخص له قيمة مجتمعية لدى أطراف النزاع، فيقترح حلولاً ثم يتم التعديل عليها من الأطراف للوصول إلى حل مرضٍ للجميع.

ولذلك يوجد مبدآن أساسيان يفرقان بين الوساطة وأي وسيلة أخرى، الأول هو الخيار الذاتي للأطراف، والثاني هو الخصوصية والسرية وسنجد أنهما مطبقان في جميع أنواع الوساطة ومنها الوساطة الجنائية. وقد يكون المحامي وسيطاً إذا وافق أطراف النزاع عليه، وفي حال كان المحامي وكيلاً عن المتهم، وارتضى المجني عليه أن يكون وسيطاً، فعليه هنا أن يخلع عن نفسه صفة المحامي ويبدأ عمله كوسيط لمصلحة الطرفين، وما يدعم هذه النظرية هو أن المحامي الذي تحول وسيطاً لا يعتبر قاضياً يفرض الحل ولكن مهمته اقتراحه والتفاوض فيه مع الطرفين، أو بما يعني أن الطرفين يتفاوضان من خلال الوسيط الذي يجب أن يتحلى بأمرين هما الاستقلال والحيادية.

أود الإشارة إلى أن الوساطة الجنائية تجوز فقط في قضايا الصلح والتصالح، وتختلف الوساطة الجنائية عن غيرها في وجود طرف ثالث وهو النيابة العامة، فلا يكفي في القضايا الجنائية أن يتنازل المجني عليه لكي تتنازل النيابة العامة عن الحق العام، وهو ما اقتصر الوساطة على القضايا التي يجوز فيها الصلح والتصالح (ويقصد بالصلح هو مع المجني عليه، والتصالح يكون مع المجني عليه والنيابة العامة).

وتستطيع الوساطة إنهاء الدعوى الجنائية في مرحلة بداية الدعوى وقبل صدور حكم، ويمكن للوساطة إيقاف العقوبة أو تخلص إلى عقوبة بديلة إذا تمت بعد أن يصدر حكم نهائي وبات في الدعوى.

قانون الوساطة أفرد لأنواع الوساطة الجنائية والمدنية والتجارية نصوصاً أصدر بها وزير العدل والشؤون الإسلامية والأوقاف قراراً حدد فيه الجرائم التي يجوز فيها الصلح والتصالح، ونطاق سريان الوساطة وشروطها، ولا يمكن أن يكون المحامي وسيطاً إلا أن يكون مقيداً في جدول الوسطاء المنشور على موقع وزارة العدل.

"الوطن": ما هي إلزامية نتيجة الوساطة بين الطرفين، وهل يتم تحرير اتفاقية وساطة؟

- بوحسين: هناك تشابه كبير بين التحكيم والوساطة رغم الفارق الجوهري بينهما؛ فالوساطة يمكن أن تتم خلال جلسة واحدة أو عدة جلسات ومن خلال وسيط أو عدة وسطاء، أو إجراءات يكون لأطراف النزاع دور أكبر فيها، وهناك أكثر من نوع للوساطة فمنها تقويمية وتيسيرية وتحويلية، وجميعها قائمة على مبدأ "سلطان الإرادة"، فيمكن أن ينتهي الأمر بانسحاب أحد الأطراف، وذلك بعكس التحكيم الملزم للأطراف بقبول ما وصل إليه المحكم من قرار.

أما عن توثيق الوساطة فذلك يتم سواء تم التوصل إلى حل كلي أو جزئي للنزاع، ومن خلال التوثيق تتخذ الوساطة الصفة الإلزامية التي تمكنها من الرجوع للقضاء لتنفيذ ما تم الاتفاق عليه، حيث يقدم الوسيط المعتمد تقريره للقضاء لكي يحصل على ختم الصيغة التنفيذية، وبذلك تكون ملزمة وواجبة التنفيذ من الأطراف.

"الوطن": هل هذا يعني أن تعيين الوسيط يكون عن طريق وزارة العدل أم المحكمة؟

- بوحسين: من عدة جهات، فقد يكون من خلال القضاء أو يكون وسيطاً خاصاً يتفق عليه الأطراف عند وجود نزاع بينهم، أو وجود وساطة اتفاقية سابقة للنزاع، وقد يكون الوسيط شخصاً اعتبارياً "مؤسسة - شركة" أو فرداً، ولكن على أن يكونوا مسجلين لدى وزارة العدل وخاصة في الوساطة الجنائية.

ولذلك كانت فلسفة الوساطة نابعة من التطور الاقتصادي والتكنولوجي في مجال المعلومات والاتصالات، وذلك لأن القطاع الاقتصادي خلص إلى أن اللجوء للقضاء ربما يستهلك الوقت والمال والخصوصية، وهناك منازعات استثمارية بالمليارات في دول أجنبية حسمت عبر الوساطة خلال أسبوع واحد فقط، بينما لو وضعت أمام منصة القضاء التقليدي لاستغرقت سنوات ربما تضيع فرص استثمارية كبيرة في استغلال رأس المال المعطل بسبب هذا النزاع.

"الوطن": ما مدى إلزام الوسيط بسرية المعلومات المتداولة بين الأطراف؟

- العرادي: هذا ما يميز الوساطة والتحكيم عن القضاء، حيث يلتزم الوسيط بسرية المعلومات المتداولة في عملية الوساطة، وتستمد الوساطة إلزاميتها في رضا الأطراف بعملية الوساطة من تلقاء أنفسهم، وقد لجأوا للوساطة لرغبتهم في الوصول لحل قابل للتنفيذ.

وإذا تم التوصل لاتفاق فيتم وضعه فيما يطلق عليه "الصيغة التنفيذية"... وينفذ حالاً. والأهم من ذلك أن الأطراف تلجأ للوساطة لأنها تستطيع أن تضع حلولاً خلاقة قد لا يحققها القضاء في الفصل بين النزاعات.

ومن أمثلة الوساطة المركبة أو الثلاثية، هو اتفاق صاحب عقار مع مقاول رئيس لبناء برج، ثم يتفق المقاول الرئيس مع مقاول فرعي، ويحدث تأخير في التسليم، فيحاول صاحب العقار تطبيق غرامة التأخير على المقاول الرئيس والذي يعود إلى المقاول الفرعي، وتكون النتيجة استمرار النزاع لزمن قد يصل لاستحالة إنهاء البرج المتفق عليه، ولذلك كانت الوساطة هي الحل الأمثل لكافة الأطراف للوصول إلى حلول مبتكرة بعيدة عن الجمود والبطء في أحكام القضاء. وتستطيع جلسة وساطة فردية أن تحقق إنجاز، وذلك سببه 4 أمور، أولها أن الأطراف هم أصحاب المشكلة، والثاني أنهم يرغبون في الوصول لحل، والثالث هو أن أي حل يتم التوصل إليه يكون قابلاً للتنفيذ، والرابع أن الأطراف هم أصحاب الحل، وعند الوصول لحل يكون الجميع على يقين أنهم قادرون على تنفيذه ويتسم بأنه خارج نطاق العقد، بأن يتم الاتفاق مثلاً على منح تسهيلات في مشروع آخر تعويضاً عن التأخير.

"الوطن": كيف نلجأ للوساطة؟

- العرادي: يمكن اللجوء للوساطة في حال تضمنت اتفاقية الأطراف اللجوء، وإذا لم يتضمن العقد ذلك، فيمكن للمحكمة المدنية تعيين وسيط في حال اختلفت الأطراف في شخصية الوسيط.

"الوطن": هل تتم كتابة محاضر لجلسات الوساطة أو ما يلزم به في القانون؟

- السيد: لا يوجد في الوساطة موضوع تسجيل محضر لطلبات الأطراف، لأن الوسيط هو قائد النقاش الدائر بين الأطراف والمنظم لهذا الحوار، وهو المنشئ للحل الذي يمكن أن يصل إليه الأطراف، وأهم ما يميز الوساطة وقدرتها على جذب جمهور المتنازعين هو قدرتها على حل أصعب النزاعات في متوسط زمني لا يتجاوز 3 أيام أو جلسات، ومن جانب آخر فقد لاحظ المتقاضون أن الوساطة لن تفرض عليهم شيئاً لا يوافق عليه، وأنهم مصدر الحل.

- العرادي: يمكن للوسيط تدوين بعض الملاحظات والنقاط في ورقة ويحاول التقريب بين النقاط، عبر حل الأسهل منها ثم الأصعب، ويجوز للأطراف حضور الجلسات برفقة محام أو بدون، ويتم طرح الآراء، ثم يتم عقد جلسة الوساطة ويتم في الجلسة وضع ما يسمى بالقواعد الحاكمة، وذلك سيناريو أغلب جلسات الوساطة، حيث يبلغ المعدل العالمي لحل قضايا الوساطة نسبة 87%. وفي النهاية تتم صياغة اتفاق التسوية بين الأطراف وتدوينه للإقرار به ومنحه صيغة التنفيذ.

"الوطن": قد تتغير قواعد التفاوض بين الأطراف لظروف كثيرة، فما هي الضمانات التي تمنع أي طرف من تغيير قراره في أثناء المفاوضات؟

- العرادي: 99% من قضايا الوساطة لا تأخذ زمناً طويلاً لتغيير القرارات بحسب الظروف الخارجية، وأول ما يتأكد منه الوسيط عند بداية عمله هو أن الأطراف الحاضرين أمامه لديهم القدرة على اتخاذ القرار، وإذا لم تتوافر سلطة اتخاذ القرار فلن تحدث الوساطة.

وإذا ما قرر أحد الأطراف الانسحاب من الوساطة، فإنها تنتهي عند تلك المرحلة ولا يدون من جلساتها شيء، والقوانين سواء في البحرين أو أي دولة من دول العالم تعطي الوسيط حصانة بحيث لا يقدم شهادته أمام أي محكمة.

- السيد: لا يوجد في الوساطة شيء يسمى إقراراً قضائياً مماثلاً لما يحدث في المحكمة بين أطراف النزاع، وما يدور داخل جلسة الوساطة لا يمكن استخدامه خارج تلك الجلسة ولو في المحكمة، ويمنح القاضي الحصانة للوسيط في سبيل عدم الإفصاح عما جرى داخل جلسة الوساطة.

- بوحسين: الهدف من الوساطة هو الخروج على القوالب التقليدية سواء للتحكيم والقضاء الطبيعي، ولا يوجد في الوساطة أي إجراءات شكلية ولا علاقة لها بالقانون، لأن هدف الوسيط هو التوافق والوصول للحلول العقلانية التي تعود بالفائدة على الطرفين، ويكون عادة هذا الحل خارج إطار القانون الذي لربما سيحكم ضد أحد الأطراف بما لا يعوض الطرف الآخر أو يرضيه.

"الوطن": هناك نزاعات يكون فيها أحد الطرفين ضعيفاً وهذا ربما يكون سبباً في استغلال الطرف الآخر هذا الضعف والحصول على أقصى قدر من الاستفادة، فأين يقف الوسيط بين هؤلاء الأطراف بما يتراءى له؟

- العرادي: الوساطة ليس لها علاقة بالمواقع والمواقف القانونية وأهم ما يميز الوساطة أنها لا يوجد فيها طرف رابح وآخر خاسر، وعمل الوسيط هو فهم تطلعات كل طرف والعمل على إيجاد أرضية مشتركة، وعادة كل من يلجأ للوساطة يأتي وفي ذهنه سيناريو للضغط والحصول على أفضل اتفاق، ثم يبدأ الوسيط في النزول بتلك التطلعات تدريجياً حتى نقطة تلاقي الأطراف، وتنتهي الوساطة عادة بابتسامة وتحية بين الطرفين؛ لأن الإنسان بطبيعته يلجأ للتسويات الهادئة.

- السيد: الوسيط يجب أن يحصل على تأهيل مناسب وفنيات دقيقة وأدوات يستطيع من خلالها العمل كوسيط، فمن خلال البرامج التدريبية التي يشارك فيها الوسيط، يعرف فن طرح الأسئلة، وتقييم المخاطر لكل طرف، ويحدث أحياناً في الوساطة أن تجد طرفاً متمسكاً برأيه، وهنا يجب أن يلجأ الوسيط لطرح السيناريو الآخر للتشدد، وسلبيات التمسك بهذا الرأي، وما هو أفضل أسوأ سيناريو يمكن أن يحدث في حال عدم التوافق.

- العرادي: الوسيط يخضع لدورات تدريبية مكثفة تصقل مهاراته وتضيف له مجموعة من الأدوات التي يستخدمها مع الأطراف لتسهيل هذا التفاوض معهم، وهناك مهارات كثيرة من ضمنها فن توجيه الأسئلة بأربعة أنواع وهي أسئلة مفتوحة ليحصل على معلومات، وأسئلة مغلقة للوصول لهدف معين، ويوجه أسئلة مكثفة لكي يتأكد من بعض الأمور في الوساطة، وأحياناً أسئلة موجهة.

وكذلك يستخدم الوسيط مهارة يطلق عليها "الاستماع النشط" بحيث يستوعب من الأطراف ما يريد الوصول إليه، ويفهم ما وراء الكلمات والدوافع الأخرى غير الطلبات الظاهرية، ففي بعض الأحيان يكون رد الاعتبار لشخص في واقعة، أهم عنده من التعويض المادي، وكذلك لو أن موظفاً يتفاوض على مكافأة نهاية الخدمة، لكنه يبحث أيضاً عن تكريم لجهوده طيلة فترة عمله، وتلك نقاط يمكن أن تقرب وجهات النظر بين الأطراف بصورة مبتكرة لا يصل إليها القضاء، وهذا ما يمكن أن يفهمه بالاستماع النشط.

وهناك أيضاً مهارة ثالثة بإعادة توجيه الأسئلة، والتي يبذل فيها الوسيط جهداً لإيصال الرسائل والأسئلة بين الأطراف، بعد حذف ما فيها من تعبيرات تهديد أو إساءة للطرف الآخر، بحيث يقرب المسافات بين الطرفين بأسلوب هادئ بعيد عن تشنجات الطرفين، وإعادة صياغة محايدة للنقاش.

ومن ضمن المهارات التي يتخذها الوسيط وضع أجندة عمل للجلسة أو الجلسات وتلخيص أوجه الخلاف، فقد يواجه في بعض الأحيان طرفاً متعنتاً أو ليست لديه فكرة عن مطالبه ويريد فقط وضع الطرف الآخر في مشكلة دون الحصول على تعويض مقابل حلحلة تلك المشكلة والتغاضي عن العقوبة الجنائية بمقابل سواء مادي أو معنوي يخرج به الأطراف راضين عن النتيجة التي خلصت إليها الوساطة.

"الوطن": ما أنواع الوسطاء العاملين في البحرين وهل هناك وسطاء خارج جدول وزارة العدل يمارسون مهنة الوساطة؟

- العرادي: الوسيط الذي يقوم بالوساطة من الممكن أن يكون وسيطاً حراً، أو مسجلاً في جدول وسطاء المحكمة أو في جدول غرفة تسوية المنازعات، ولا يصبح وسيطاً إلا بعد أن يكون مرخصاً له، ولا يتم الترخيص له إلا بعد اجتياز دورة مكثفة حول "كيف يكون وسيطاً".

"الوطن": من الذي يحدد معايير أتعاب الوسيط، وهل هناك فروق بين أسماء الوسطاء في جدول وزارة العدل؟

- السيد: الوسيط نفسه هو من يحدد أتعابه، وأتعاب أي وسيط بسيطة جداً، وذلك سببه لا يعود إلى مدى شهرة الوسيط أو حجم أعماله إذا كان محامياً معروفاً ولديه مكتب كبير، ولكن الأمر يحسب بعدد الساعات التي يستطيع فيها الوسيط إنهاء عملية الوساطة، والتي ربما لن تتجاوز ساعات معدودة على أصابع اليد الواحدة، ويتم حساب ذلك بمتوسط دخل الوسيط الشهري لمعرفة أتعابه في الساعة، وبناءً عليه تحسب تكلفة الوساطة على عدد الساعات المبذولة لإنهائها.

وكذلك يحسب أيضاً الاتصال بالأطراف وتجهيز ملف الوساطة بما لا يتجاوز إجمالي الساعات المبذولة 10 ساعات لعملية وساطة ربما تكون حول مبالغ بالملايين وتكون كلفة الوساطة فيها لا تتجاوز ألف دولار.

"الوطن": ومن يدفع أتعاب الوسيط، هل هو الطرف المتقدم باقتراح الوساطة أم كلا الطرفين؟

- العرادي: بعد أن يقوم الوسيط بالاتفاق مع أحد الأطراف ويقوم بتجهيز ملف الوساطة، يبدأ في إجراء اتصالات للأطراف، ويبلغهم بصفته كوسيط، وبتكلفة الأتعاب ويطلب منهم دفعها مقدماً، بالتساوي فيما بينهم، وفي بعض الأحيان يقدم توقعاته لإنهاء الوساطة في عدد من الساعات، ويبلغهم في حال زادت عن ذلك فسيطلب منهم دفع الباقي، وفي حال نقصت الساعات عما دفعه الأطراف، فيقوم بإعادة المبالغ الزائدة إليهم بحسب نصيب كل طرف.

هناك وقائع لعمليات وساطة كانت حول نزاع بلغ 6 ملايين دينار، وتم إنهاء النزاع في ساعتين، وحصل الوسيط على مبلغ لم يقترب حتى من ألف دينار، بينما كان هناك محامون وكلاء عن الأطراف، حصل كل واحد منهم على ما يقارب 50 ألف دينار، وهنا يمكن أن تلاحظ مدى الفارق الهائل بين تكلفة الوساطة، وحل النزاع قضائياً، الذي يستلزم رسوماً قضائية بنسبة من قيمة النزاع، بالإضافة إلى أتعاب المحاماة، ثم عامل الوقت الذي سيتجاوز فترة لا تقل عن ستة أشهر.

مثال آخر يعرفه الجميع هو قضية "دبي العالمية" التي حصل فيها نزاع عام 2010، وبلغ إجمالي المطالبات والمديونيات ما يتجاوز 50 مليار دولار، وتم حسم النزاع بواسطة محامين بحرينيين خلال فترة وجيزة، وسأضرب مثالاً بشأن أحد المكاتب المرخصة للوساطة -ومنذ إقرار قانون الوساطة- حيث تمكن المكتب من التوصل لحل أكثر من 30 نزاعاً بما يجاوز 87 مليون دينار، بينما لم تتجاوز أجرة جميع الوسطاء مبلغ في جميع العمليات 10 آلاف دينار، ولك أن تتخيل تكلفة النزاعات أمام التحكيم أو القضاء.

ومثال رابع لشركة قابضة لديها نزاع مع أكثر من بنك بمبلغ يفوق 500 مليون دينار، ولجأت لأحد الوسطاء الذي استطاع أن يصل إلى حل يرضي الأطراف، وكانت أتعابه 6 آلاف دينار.

وللعلم، فإن معظم عمليات الوساطة الشرعية والجنائية والعمالية يجريها الوسطاء مجاناً، ويمكن أن تستعلم من الوسطاء ليؤكدوا لك هذه المعلومة.

ويمكن للأطراف بعد انتهاء الوساطة اللجوء للمحكمة، كما يستطيع الأطراف استرداد الرسوم من الوسيط في حال قرروا اللجوء للمحكمة بعد اتفاق الوساطة.

"الوطن": هل يمكن احتساب عمولة للوسيط من قيمة المبلغ المتنازع عليه؟

- بوحسين: فلسفة وجود الوسيط تختلف عن فلسفة المحامي والمحكم والقاضي، فالوسيط لا يبذل جهداً فكرياً أو بدنياً أو قانونياً، فدوره محصور فقط في تقريب وجهات النظر بين الأطراف المختلفة واستكشاف الخيارات وخلقها واقتراحها عليهم دون أن يفرضها، وهو أيضاً لا يقوم بكتابة مذكرات أو تدوين تقارير، لذلك لا يوجد ما يسمى عمولة وسيط من مبالغ النزاعات.

وأود أن أطرح مثالاً آخر على قدرة الوساطة في حلحلة نزاعات ضخمة، فقد حدث في هونج كونج عام 1995، أن نشأ نزاع كبير حول سندات الاستثمار في بنوك بهونج كونج، وكانت تقدر قيمة النزاع بحوالي 250 مليار دولار، ولجأ الأطراف للوساطة، وتم حسم النزاع في أسبوع واحد فقط، ولك أن تتخيل هذا الحجم الهائل من السندات والمبالغ الضخمة التي لا يمكن لمحكم أو قاضٍ أن يحسمه في سنوات، وذلك لأن الوسيط لا يلجأ للقوانين في إيجاد الحلول بل ينتهي بتسوية بين الأطراف قد تكون غير قانونية، لكنهم ارتضوها بدلاً من البقاء سنوات تحت رحمة القضاء وربما كانت النتيجة معروفة لبعض الأطراف بأنهم سيخسرون النزاع القضائي، ولذلك كانت نتائج الوسيط وما توصل إليه أفضل بالنسبة إليهم.

- السيد: لا يمكن احتساب عمولة أو نسبة من قيمة النزاع كأتعاب للوسيط، ولكن المتعارف عليه هو أجر ساعة العمل للوسيط، وهنا أود التنويه بأهمية أتعاب الوسيط في فرض الجدية على الأطراف ولاتخاذ موقف جاد، ومن تجربتي الشخصية، فإن أصعب عملية وساطة قمت بها كانت في قضية شرعية.

- بوحسين: كان لدى مكتبي عملية وساطة بين جهة حكومية وأحد المقاولين الذي تأخر في تسليم الأعمال المطلوبة منه بسبب جائحة كورونا، واستطعنا الوصول لحل توافقي بين الجهة والشركة الأجنبية، خارج إطار القانون، وبجمع وجهات نظر الطرفين وتم الاتفاق بين الطرفين، وكانت مهمتنا لفت نظر الأطراف للمخاطر.

"الوطن": ما هي التحديات التي تواجه عملية الوساطة والوسطاء؟

- بوحسين: لأن الوساطة مازالت حديثة على المجتمع ولم تأخذ نصيبها من التطبيق فإنها تحتاج لتطوير التشريع بحسب السيناريوهات التي تطرأ خلال مرحلة التطبيق، ويبقى السؤال من سيقوم بتطوير القانون؟، ولأن الوساطة منهجية جاءت في الألفية الثالثة، فيجب على كل من القطاع العام والخاص بصفتهم المستهلكين لتلك الوسيلة بأن يقوموا بدور فعال في عملية تطوير الوساطة وتدريب الوسطاء ومدهم بخبرات أكثر في النزاعات النوعية والمتخصصة، وأستطيع القول إن الوساطة ستسود في المستقبل.

تبنت لجنة الأمم المتحدة لقانون التجارة الدولي إعداد القانون النموذجي للتوفيق التجاري الدولي، وأقرته 14 دولة، وكذلك اعتمده الاتحاد الأوروبي في 2001 باستخدام الوساطة في المنازعات عابرة الحدود، والمستهلكين عبر الإنترنت، وذلك باعتبار الوساطة ذات أهمية قصوى من حيث الوقت والتكلفة والحفاظ على السرية التي تعتبر من أهم العناصر.

- العرادي: قانون الوساطة صدر في أكتوبر 2019، واليوم وصل عدد الوسطاء 71 في القطاع المدني والتجاري، وفي الجنائي 30 وسيطاً، وشركة واحدة، وهناك فريق يؤمن بأهمية الوساطة في الحكومة ومؤسسات المجتمع المدني، حيث تم تنظيم 10 دورات للوسطاء من كل من وزارة العدل ومعهد الدراسات القضائية والقانونية والمصرف المركزي والنيابة العامة، وأقامت الغرفة وجمعية مصارف البحرين وجمعية المحامين ورشاً تعريفية بالوساطة.

وقام العديد من المصارف باللجوء للوساطة في نزاعات محلية، وجميع التسويات التي تم التوصل إليها، حصلت على الصيغة التنفيذية قضائياً، ويجب التأكيد أن قانون البحرين متطور جداً، وما وصلنا إليه اليوم منذ إصدار القانون أكثر من ممتاز، وهناك جهات دولية أشادت بالقانون.

- السيد: الوساطة ليست معقدة، ولدينا في البحرين البنية التحتية والكفاءات والدورات التدريبية، لكن يبقى دور الإعلام في التوجيه والتوعية بالوساطة، والتكلفة ليست عائقاً، فالمفهوم الإنساني للوساطة أن يكون الخصوم هم أصحاب الحل.