محرر الشؤون المحلية:

أكد اقتصاديون ورجال أعمال أن الشيخ محمد بن خليفة الكبير سبق عصره بقرون بتطبيق إلغاء الضرائب والرسم وتحرير التجارة في إقليم الزبارة وهو ذات الفكر الذي تتبناه منظمة التجارية العالمية التي أسست في عام 1995م.

ولفتوا إلى أن التوجه العالمي حالياً هو تحرير التجارة البينية لزيادة الحركة الاقتصادية وتعزيز الموارد المالية وهو ذات التوجه الذي طبقه مبكراً الشيخ محمد بن خليفة الكبير.

ورأوا أن السياسة الاقتصادية التي رسمتها الدولة الخليفية تمكنت من تحويل الزبارة إلى ميناء مؤثر في المنطقة بعد نجاحه في جذب التجار والتحول لنقطة وصل بين القارة الهندية والمنطقة لما يتمتع به من أفضلية تنافسية في المنطقة.

رؤية اقتصادية استشرافية

واعتبر رئيس مجلس إدارة مجموعة ترافكو رجل الأعمال إبراهيم زينل أن مفهوم تحرير التجارة وعدم فرض الضرائب خلال فترة حكم الشيخ محمد بن خليفة الكبير في الزبارة كانت نظرة تدل على أفق واسع ورؤية استشرافية لتطوير الاقتصاد المحلي وربطه باقتصاد المنطقة، لافتاً إلى أن انتقال حكام آل خليفة إلى البحرين واتخاذها مركزاً لحكم توابعها، جعلها مركزاً تجارياً هو الأبرز في دول الخليج العربي. وأكد زينل أن النظرة البعيدة لنتائج قرار إلغاء الضرائب والرسوم، تبين أن حكام الدولة الخليفية كانوا يرغبون في أن تكون الزبارة هي الميناء الذي يستقبل أكبر سفن التجارة القادمة من الهند في ذاك الوقت إلى دول الخليج، وفي منافسة مع ميناء البصرة الذي تمتع بأفضلية كبيرة في أن يكون الأكبر نشاطاً في الحركة التجارية بين القارة الهندية والمنطقة، حيث كان يقوم بعد ذلك بتوزيع تلك البضائع على شمال العراق وصولاً إلى تركيا وبالتالي إلى أوروبا، لكن إعطاء التجار تسهيلات متميزة في الزبارة جعلها محطة وصل وأن تستقطب

التجارة العالمية والتجار من كافة مناطق العالم، ولتخدم منطقة الخليج العربي من خلفها في الحجاز والشام.

وقال زينل: «عندما احتل الفرس البصرة في عام 1776م، كانت الطريق ممهدة أمام الزبارة التي تم تهيئة البنية التحتية والاقتصادية فيها لتأخذ مكانتها في المنطقة فقد استقطبت مجموعة كبيرة من التجار النازحين من البصرة، وذلك لما تتمتع به من موقع جغرافي وامتيازات تجارية فلا ضرائب تجبى ولا رسوم تفرض ناهيك عن توفر الميناء الأكثر تقدماً في تلك الفترة والانفتاح على كامل شبه جزيرة قطر والحجاز دون أية قيود».

وأضاف زينل رغم أن الضرائب والرسوم تعتبران من موارد الدول الأساسية، إلا أن بعد نظر حكام الدولة الخليفية في عدم فرض الضرائب وفرض الرسوم كان له الدور الكبير في تحقيق عوائد اقتصادية كبيرة تفوق ما كان يمكن تحقيقه من الضرائب والرسوم.

وبين«بفضل هذه السياسة الحكيمة امتلكت الزبارة فوائض مالية وهو الأمر الذي انعكس على مستوى الحياة العامة في الإقليم والتطور الحضاري».

تعزيز القاعدة الاقتصادية

وأكد الخبير الاقتصادي ورئيس قسم الاقتصاد والتمويل بجامعة البحرين سابقاً، الدكتور ناظم الصالح، أن فكر الشيخ محمد بن خليفة الكبير كان سابقاً لعصره بقرون، وذلك بالنظر إلى فكرة تحرير التجارة وعدم فرض الضرائب على التجار في إقليم الزبارة، مشيراً إلى أن هذا المفهوم بدأت تطبقه منظمة التجارة العالمية في عام 1995 عندما أنشئت وكانت البحرين من الدول المؤسسة لهذه المنظمة، كما بينت الأوضاع الحالية في العالم أهمية مفهوم تحرير التجارة البينية الذي وضع لبنته حكام الدولة الخليفية في بداية عهد دولتهم، لدوره الأساسي في تقوية الاقتصاد والانعكاس إيجاباً على جودة المجتمع ورفع مستوى المواطنين المعيشي.

وقال: «إن ما فعلته الدولة الخليفية في بداية عهد الشيخ محمد بن خليفة الكبير، قد أسهم في تيسير التجارة ومنح التسهيلات التي تسرع من التبادل التجاري بين الدول، وهو الهدف الرئيس لتأسيس منظمة التجارة العالمية في نهايات القرن العشرين، وبعد ثلاثة قرون من نفس الفكرة والهدف الذي سعت إليه الدولة الخليفية، لاستقطاب التجار والمستثمرين، وشجع التبادل التجاري دون عوائق، وانعكس إيجابياً على المستوى الاقتصادي للدولة وبالتالي انعكس على مستوى الرفاه الاجتماعي للمواطنين».

ولفت إلى أن تحرير التجارة يعتبر اليوم هدفاً أساسياً للدول، بأن يتم إلغاء الضرائب على التجارة البينية، حتى تستفيد الدول من بعضها البعض، مبيناً أن إقليم الزبارة في عهد الشيخ محمد بن خليفة الكبير استطاع أن يستحوذ على نصيب كبير من التجارة البينية بين الموانئ الخليجية الأخرى والتي كان أبرزها ميناء البصرة.

وأضاف: «إن الشيخ محمد بن خليفة الكبير، كانت لهم نظرة ثاقبة ومستقبلية صائبة لتنشيط الاقتصاد والاستثمار وتوظيف موارد الدولة لخدمة الاقتصاد وبالتالي إعلاء شأن الدولة، رغم عدم توافر المعلومات ووجود إمكانيات بسيطة وانعدام التكنولوجيا، وعلى الرغم من بدائية المجتمعات آنذاك إلا أن الأفكار من قبل حكام الدولة الخليفة كانت متقدمة».

دور التجارة

البينية في الاقتصاد

من جانبه أكد الخبير الاقتصادي الدكتور عمر العبيدلي أن من أهم أركان الفكر الاقتصادي الحديث هو تحرير التجارة البينية لما لها من أثر على المدى الطويل في نمو اقتصاد أي دولة، لافتاً إلى قرار بريطانيا العظمى في أواخر القرن الثامن عشر بتقليل القيود والواجبات على الاستيراد والتصدير، وقال: «إن ذلك يوضح النظرة الاستشرافية لحكام الدولة الخليفية الذين سبقوا بتطبيق هذه الفكرة مع نهاية القرن السابع عشر ومطلع القرن الثامن عشر».

وأشار العبيدلي إلى أن تحرير التجارة يظهر مردوده على الاقتصاد الوطني على المدى البعيد، وهو ما تؤمن به البحرين منذ زمن طويل بأهمية الانفتاح الاقتصادي في كافة الأبعاد، ومنها البعد التجاري.

وأضاف العبيدلي: «إن الرؤية الاقتصادية لمملكة البحرين 2030، تعكس قناعة الحكومة بهذا المبدأ المستمد من أفكار الأسلاف وفي مقدمتهم الشيخ محمد بن خليفة الكبير مؤسس هذا المنهج في المنطقة بالكامل».

اقتصاد رصين ومرن

واستشهدت سيدة الأعمال أحلام جناحي بما ذكره المؤرخ البريطاني لوريمر أن «الزبارة في ذلك الوقت قاعدة أكبر من القطيف وأكثر أهمية، وفي عام 1790م كان التجار الأجانب يلقون فيها الحماية الكاملة، ولم تكن بها أيضاً عوائد جمركية».

وأشارت جناحي إلى التنوع التجاري الذي شهدته الزبارة في هذا الوقت حيث كانت بفضل إلغاء الضرائب والرسوم وتوفير ميناء متطور ونظام أمني حديث وسوق مفتوح للتجار، وهو ما أسهم في أن تكون محطة للعديد من البضائع التي يعاد تصديرها إلى دول أخرى سواء الخليجية منها أو إلى الشام وغيرها، ومن أبرز تلك البضائع التوابل المستوردة من الهند والأخشاب وكذلك نشاط تجارة اللؤلؤ الذي عرفت به المدينة ليتم تصديره إلى العالم فيما بعد وصولاً إلى أوروبا.

عناصر المنافسة

من جانب آخر أشار رجل الأعمال عبدالله الحداد إلى أهمية تحرير التجارة بالنسبة لرجال الأعمال والتجار في العصور القديمة، حيث كانت فكرة غير مسبوقة ومحفزة على انتقال التجار إلى البلد التي تتيح لهم مميزات وأفضلية بالمقارنة مع بلدان أخرى في محيط المنطقة التي يعملون بها، وقال: «إن الخليج العربي في ذاك الوقت كان يستحوذ على التجارة البحرية فيه ميناء البصرة دون منازع، وقد كان من الصعوبة أن يقتنع التجار بالانتقال بأعمالهم من البصرة ليأتوا إلى الزبارة، لكن ثلاثة عوامل رئيسة غيرت هذه القاعدة وتلك المفاهيم».

وأوضح الحداد: «الأوضاع السياسية في البصرة كانت سبباً رئيساً في ازدهار إقليم الزبارة، بعد أن شعر التجار في البصرة بعدم الأمان على أموالهم وتجارتهم، ورأوا في الزبارة الموقع الأنسب والأقرب للانتقال إليه، والعامل الثاني وهو ما قدمه حكام الدولة الخليفية من مميزات ومن بينها حرية تجارة اللؤلؤ وعدم فرض الضرائب أو الرسوم عليها، والعامل الثالث وهو توفير البنية التحتية للدولة العصرية واستقرار الوضع الأمني في الإقليم وباقي المنطقة، وهو ما شجع التجار على أن تكون الزبارة مقراً لأعمالهم».