أيمن شكل


اتهم رئيس مجلس البلدي لمحافظة المحرق غازي المرباطي، هيئة التخطيط والتطوير العمراني بتشويه المناطق السكنية في المملكة عبر تغيير تصنيف المناطق خلال فترات زمنية قصيرة، وبما يحدث خسائر لأصحاب البيوت والمستثمرين على حد سواء، وأكد أن المجلس البلدي كان حذراً بعدم إقحامه في عملية تغيير تصنيفات المناطق، منوها بانعدام سلطة المجالس البلدية ما أدى لفشل التجربة كما حدث في العاصمة، وقال إن كل فصل يأتي أضعف من سابقه.

وألقى باللائمة كذلك على المجلس التشريعي الذي غيب توصيات نوقشت في أدراجه لتعزيز صلاحيات المجالس البلدية، لافتاً إلى أن برنامج «تواصل» أو اتصال هاتفي مع الإذاعة لهما سلطة أكبر مما لدى المجلس اليوم. وإلى نص الحوار:

تشهد الاشتراطات التنظيمية للتعمير عدم استقرار فما هو السبب برأيك؟

- تلك الاشتراطات يتم تنظيمها على مستوى الدولة، لكي تبقى لسنوات طويلة وتستقر، خاصة وأنها تأتي بعد دراسات وخبراء واستشراف لرأي جميع الجهات، لكن ما يحدث هو أنها تتغير بعد سنوات قليلة، ويترتب على هذا التغيير خسائر ومشاكل اقتصادية واجتماعية وتنظيمية وبلدية كبيرة، وكثير من تلك المشاكل ما وصل إلى القضاء. فالمواطن يأتي ليشتري قطعة أرض لبناء بيت ويختار الأرض على أساس تصنيفها ونوعية البناء فيها كمنطقة سكنية تضم بيوتاً وفلل، لكنه يتفاجأ بعد سنتين بأن التصنيف قد تغير إلى «منطقة تجارية وعمارات سكنية»، ويحدث للمنطقة تشويه بسبب تغيير التصنيف.

من المسؤول عن تغيير التصنيف لأي منطقة؟

- عادة تقوم الدولة بوضع المخطط الهيكلي العام والذي تم عرضه في عام 2007 على المجالس البلدية، ووافقت عليه المجالس، وهذا المخطط الهيكلي يتدرج ليصل إلى المخطط التفصيلي للمناطق وتحديد تصنيفها، ثم يتم عرض ذلك كمقترح على الجهات المختصة ومنها المجالس البلدية، ويتم الموافقة عليه، وهذا الأخير تم عرضه على مجلسنا منذ أن دخلته في عام 2010، وكانت الأمور واضحة وقتها وعليه تم الموافقة.

لكن من المفترض أن في حالة تغيير التصنيفات أن تعرض على المجلس البلدي؟

- المجالس البلدية لديها صلاحيات معينة، ومركزها القانوني هو إبداء الرأي وليس على الجهة الرسمية أن تأخذ برأي المجلس سواء وافق أو اعترض، ومن الاختصاصات التي تعرض علينا تغيير التصنيف، ونرفض، لكن هذا الرفض غير ملزم للتخطيط العمراني، بل إن القرارات الصادرة بتغيير التصنيفات للمناطق كانت تنشر في الجريدة الرسمية ويرفق ضمن ديباجة القرار نص «بعد موافقة المجلس البلدي»، لكني تواصلت مع وزير البلديات في هذا الشأن لتغيير هذا النص الذي يؤكد أننا من قمنا بالموافقة على تغيير هذا التصنيف على خلاف الحقيقة.

لأن المواطن في تلك الحالة سيعتقد أن المجلس البلدي اتخذ قراراً ضد مصلحته، ولذلك تم تغيير النص إلى «بعد العرض على المجلس البلدي»، ولقد كنا حذرين بعدم إقحام المجلس البلدي في عملية تغيير تصنيفات المناطق.

هذا يعني أن التصنيف يتغير من قبل التخطيط العمراني دون موافقة المجلس البلدي؟

- بالفعل قرار التغيير يتخذ دون أخذ رأي المجلس ولو أخذ فهو غير ملزم، بغض النظر سواء كان مع أو ضد.

هل للمجلس النيابي سلطة على هذا التغيير؟

- المجلس النيابي عليه أن يعيد النظر في تعزيز صلاحيات المجالس البلدية، وكثيراً ما تواصلنا مع النواب، وطالبناهم بتعزيز صلاحيات المجالس البلدية، بأن تكون تقريرية وسلطة آمرة، لأن من يقرر ينفذ، والمجلس لديه 23 اختصاصاً في قانون البلديات، ولك أن تتصور أن المجلس البلدي يرأس البلدية بحسب القانون واللائحة التنفيذية، وليس له سلطة على مدير فيه لأن الأمر والقرار يأتي له من الوزير، وما يحدث بين المجلس والبلدية يكون في إطار التعاون فقط.

لدينا مثلث يمثل المعضلة الأساسية للمجالس البلدية، إذ يبدأ بـ«رفع المقترحات والتوصيات» وهي عبارات مركزها القانوني ضعيف وغير ملزمة للسلطة التنفيذية، وفي الركن الثاني من المثلث تذهب التوصية للوزير الذي يحيلها للدراسة، ثم تأتي بعد ذلك في صورة قرار إلى مدير البلدية، ونحن من باب التعاون نختصر هذا المثلث في القضايا التي نعرف أنه لا اعتراض عليها لتيسير أمور المواطنين والسرعة في إنجاز أي قضية تعرض على المجلس والبلدية وفق بعض الصلاحيات الآمرة.

ولماذا تتأخر المقترحات والتوصيات؟

- هناك قرارات طارئة يمكن تنفيذها لحل قضية بسرعة، لكن إحالتها للوزير والذي بدوره يحيلها للدراسة وتظل لسنة وسنتين قيد الدراسة، ولي تجربة مع اقتراح قدمته في دورة عام 2011، وجاءت الموافقة في الدور التالي عام 2015، ولو لم أكن موجوداً لما تغير شيء في هذا المقترح، وفي النهاية يتضرر المواطن.

الأقرب للمواطن هو العضو البلدي وليس النيابي لكن كثيراً ما تتداخل هذه الصلاحيات، فما السبب؟

- لو تلاحظ اليوم فقد تحول المجلس النيابي إلى مجلس اقتراحات برغبة بينما الأصل تشريع واقتراحات بقوانين، وتحول الأصل إلى استثناء، والعكس كذلك، وبما يخالف كافة برلمانات العالم، وهذه الظاهرة تؤكد أن الخدمات البلدية تمثل أهمية كبيرة للمواطن أو «الناخب»، وفي المقابل الجهة المنوط بها تفعيل الخدمات دورها تحصيل حاصل، وفي ثالث مجلس لي أرى أن كل فصل أضعف من سابقه.

ما تذكره يدعونا للتساؤل.. هل تجربة أمانة العاصمة ستكون القادمة في كافة المحافظات؟

- كانت لي وجهة نظر عند إلغاء مجلس بلدي المنامة - وبغض النظر عن إلغائه – فإن المجالس البلدية هي المؤسسة الحقيقية التي تعكس إرادة الناس الخدمية واللصيقة بشكل مباشر مع أجهزة خدمية حكومية وتستطيع الحكومة من خلالها عبر مراكز الدراسات وغيرها أن تستشف آراء الناس في جودة الخدمة وتطلعات المواطنين.

أما ما نراه اليوم في تجربة أمانة العاصمة فهو انعدام للتواصل المباشر بين عضو الأمانة مع الشارع لأنه مجلس غير منتخب، بخلاف العضو المنتخب المجبر على تحقيق تطلعات الناخب عبر شبكة علاقات اجتماعية لأهالي دائرته، ورغبته في أن يضع الناخبين ثقتهم فيه.

لكن الوضع الحالي للمجلس البلدي في أي محافظة بات يتشابه - من حيث السلطة - مع أمانة العاصمة غير المنتخبة.

- بالفعل المجالس البلدية ليس لها سلطة، لكن هذا لا يعني تطبيق تجربة أمانة العاصمة ومحو إرادة الناس في اختيار من يمثلهم بلديا، والحل يكمن في تعزيز صلاحيات المجالس البلدية، ولقد أصدرت كتاباً حول عيوب قانون البلديات صنفت فيه 25 مثلبة، وتواصلت مع المجلس التشريعي السابق، وتم تنظيم منتدى نيابي بلدي برئاسة النائب عادل العسومي، وخرج المنتدى بتوصيات رائعة تتضمن صلاحيات للمجلس البلدي بإصدار قرارات للأمور الطارئة والعاجلة التي لا تحتاج للعرض على الوزير، وعلى أن تناقش في المجلس البلدي وتقر ثم تنفذ مباشرة من قبل مدير البلدية، لكن مصير تلك التوصيات كان التغييب في الأدراج، وإلى يومنا هذا لا خبر عنها.

هناك مناطق تم تصنيفها من قبل التخطيط العمراني كمنطقة فلل، ثم تفاجأ السكان فيها بتغيير التصنيف ليصبح سكني تجاري وعمارات، وبدلاً من أن تصبح مناطق راقية تحولت إلى عشوائية في عدد السيارات مقارنة مع عرض الشارع والمداخل والمخارج، فماذا يحدث برأيك؟

- بالفعل العديد من المناطق المفترض أنها راقية بحسب التصنيف المبدئي، ثم يتفاجأ المواطن بجاره وقد تحول إلى عمارة سكنية، ولا يستطيع المواطن حتى الاستمتاع بحديقة منزله بسبب هذه البنايات، فضلاً عن ارتفاع الكثافة السكانية، ويترتب على ذلك ازدحام الشوارع بالسيارات، لسكان تلك العمارات التي تحتوي على ما بين 20 – 30 شقة لا يتم توفير سوى موقف واحد لكل شقة فيها، فما ذنب الناس الذين دفعوا كل ما يملكون في بيت العمر.

برأيك من لديه حل لهذه المعضلة؟

- أولاً، أن يتوقف «التخطيط العمراني» عن تغيير التصنيفات التي تدمر المناطق الراقية وتشوه جمالها، وتتسبب في ازدحامات غير مخططة في شوارع ضيقة لا تتسع لهذا العدد من السيارات، مع أخذ رأي المجلس البلدي، وأن يكون ملزما للتخطيط العمراني.

ثانيا، يجب عدم تغيير التصنيفات قبل عشر سنوات على الأقل وبعد أن تستقر المنطقة ويتم عمل دراسة لها لتحديد مدى الحاجة لتغيير التصنيف والطابع الغالب على المنطقة. ونحن نتلقى مكالمات من مستثمرين أجانب وعرب يؤكد خشيتهم من الاستثمار العقاري في البحرين، بسبب تغيير التصنيف الذي يدمر مستقبل العقار الاستثماري ويتسبب بخسائر لأي مستثمر يبحث عن دولة لديها استقرار في المراكز القانونية التي لا تتغير كل سنتين لأنها يترتب عليها حقوق الناس.

منطقة الساية كانت مدرجة ضمن برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية، كأحد المناطق السكنية النموذجية، لكنها اليوم باتت أقل من أن تسمى منطقة راقية بسبب ما يجري فيها، فماذا حدث؟

- لا أعتقد أنه يمكن الفخر بالمنطقة بعدما حدث فيها من تغيير تصنيف وتوغل العمارات على البيوت والفلل اليوم.

ما هي التطورات في مشروع حديقة الساية؟

- موجودة ويتم العمل عليها في الفترة القادمة وتعتبر من أكبر الحدائق على مستوى المملكة، وهناك واجهات بحرية متميزة في تلك المنطقة، لكن إذا بقي الحال على ما هو عليه من تغيير الاشتراطات والتصنيفات، فلا أتوقع مستقبلاً متميزاً للمنطقة.

اليوم نشهد ما حدث في المنامة التي هجرها المواطنين إلا ما ندر، فهل المحرق في طريقها لمثل هذا السيناريو؟

- للأسف ستلحق المحرق بالمنامة، لأن المشكلة تطارد المواطن في كل منطقة يسكن فيها.. نحن نطمح في تنويع العقارات وتنشيط الحركة العقارية، لكن وفق الاستثمار المخطط له، وليس على حساب المواطن.

أين دور المجالس البلدية في تحييد تغيير التصنيفات؟

- للأسف لا يوجد دور حقيقي للمجالس البلدية مثلما نشهده في دول أخرى حيث يعتبر سلطة حاكمة، وتلك كانت طموحات جلالة الملك في المشروع الإصلاحي، ويجب علينا أن نعيد الفكرة والرؤية كما وضعت من قبل، عبر التعاون بين المجلسين البلدي والنيابي وليس المنافسة التي نشهدها اليوم.

هل للمواطن دور في تعزيز التنافسية المرفوضة بين المجلسين؟

- نعم.. وله العذر في ذلك، فحين يلجأ للمجلس البلدي ويجد أنه بلا سلطات ولا يستطيع أن يفعل شيئاً، فلابد أن يتجه نحو العضو النيابي ليحل مشكلته، بل إن رسالة عبر برنامج «تواصل» أو اتصال هاتفي ببرنامج «صباح الخير يا بحرين» يمكن أن يكون ذا جدوى عن المجلس البلدي، وأعتقد أن الأمر يحتاج لدراسة شاملة.. فإذا كانوا يرغبون أن تظل تجربة المجالس البلدية، فعليهم تعزيز سلطاتها، وهذا هو دور المجلس النيابي، الذي له مصلحة أن يبقى الوضع هكذا، لأن عمله في الجوانب التشريعية محدود، بينما لديه صلاحيات كبيرة في الجوانب الخدمية، ويرفض «ضمناً» أن يمنحها لغيره، وأخص بالذكر أعضاء المجلس النيابي الذين كانوا بلديين في السابق ويعيشون اليوم تناقضا بين ما كانوا يؤمنون به في السابق وما يطبقونه اليوم.