محرر الشؤون المحلية


أسست الدولة الخليفية لمفاهيم متعددة تكفل الحياة الكريمة لرعاياها في مختلف احتياجات الحياة، ومن بينها أمران مهمان للغاية هما نظام التموين والنظام التقاعدي. فقد كفلت الدولة الخليفية تحقيق الضمان الاجتماعي اللازم لرعاياها في حالة الشيخوخة أو المرض أو العجز عن العمل، كما أمنت لرعاياها الغذاء والكساء والرواتب باعتبارها من الحقوق الأساسية للرعية.

صور


وأكد الباحث القطري محمد شريف الشيباني، في كتابه قطر إمارة عربية، أن الدولة الخليفية منذ تأسيسها تضع لرؤساء القبائل مخصصات سنوية، بالإضافة إلى الكساء والغذاء، وبطبيعة الحال فإن حكام الدولة الخليفية منحوا صلاحية لرؤساء القبائل بتوزيعها للمحتاجين من أفراد قبائلهم.

ويقول الشيباني إن حكام الدولة الخليفية جعلوا للقبائل القطرية مقررات سنوية، وكل رئيس قبيلة هو زعيم بلاده، وأمر الجميع يرجع إلى حاكم البحرين.

وأضاف: «أكثر هذه المقررات عشر (جلات) تمر ومائتا قران وكسوة، وأقلها جلتان وخمسون قراناً وكسوة، والجلة تساوي عشر قلة أي خصافة».

صور


ودأب حكام البلاد في مختلف العهود على ذات النهج منذ تأسيس الدولة، ففي عهد صاحب العظمة الشيخ عيسى بن علي آل خليفة الممتد من عام 1869م إلى 1932م كانت توزع مختلف المؤن على رعايا الدولة في الزبارة. وإلى جانب المخصصات السنوية والتموين الغذائي والكساء ونحوها، فقد كان صاحب العظمة يزود رعاياه بالأسلحة اللازمة للدفاع عن أنفسهم ولحماية الدولة.

ففي عهد الشيخ علي بن خليفة آل خليفة وبحسب الكتاب المؤرخ في العاشر من أبريل لعام 1869م، تم تكليف راشد الجبر النعيمي من قبل الحاكم وبمشاورة زعماء القبائل القطرية، انطلاقاً من مبدأ الشورى الإسلامي، ليكون مسؤولاً عن أمن شبه جزيرة قطر، ومن أبرز مهامه حماية الحدود، ومنح مخصصاً لترتيب أمور شبه جزيرة قطر بمبلغ يقدر بـ 4000 قران، ويشكل هذا المبلغ ما يقارب نصف إيرادات شبه جزيرة قطر من جباية ضرائب الغوص والذي يقدر بـ 9000 قران.

صور


وعن ذلك يقول الباحث عبدالعزيز عبد الغني إبراهيم في كتابه قطر الحديثة بأنه في عام 1877م على سبيل المثال لا الحصر كان الحاكم، «يمد النعيم بالسلاح وبالمؤن وقت الحاجة». وكذلك يقول الميجر جرانت في تقرير مرسل للمقيم السياسي البريطاني في شهر ديسمبر 1877م «إن صاحب العظمة الشيخ عيسى بن علي آل خليفة، كان يقوم بتزويد رعاياه في الزبارة بالتموين والسلاح، متى ما دعت الحاجة».

وتلقي الوثائق التاريخية الضوء على جوانب مهمة من نظام التموين وطريقة إدارته وآلية توزيعه والشخصيات المسؤولة على ذلك وقد كان التمر هو الغذاء الرئيسي والأنفس في ذلك الوقت.

وبحسب وثيقة مؤرخة في 3 أكتوبر 1897م أصدر فيها الشيخ عيسى بن علي آل خليفة حاكم البلاد أوامره للحاج محسن بن سلوم بمنح عشر قلات تمر لمحمد بن راشد بن جبر كما هو معتاد، وقد ختمت في الخلف بختم الحاكم.

والقلات العشر تعادل نحو 168 كيلو جراماً بحسب تحويلات الأوزان التي وثقها لوريمر في كتابه الموسوعي دليل الخليج في القسم الجغرافي.

وأظهرت وثيقة أخرى مؤرخة في 17 أكتوبر 1898م، تتضمن أمراً من الشيخ عيسى بن علي آل خليفة إلى الشيخ عبدالرحمن بن عبدالوهاب آل خليفة وزير الحاكم، بصرف أربعين قلة، وعشرين قلة، وعشر قلال من التمر لعدد من الرعايا في إقليم الزبارة، وتبلغ القلة الواحدة نحو 17 كيلوجراماً.

وتضمنت وثيقة محررة في 23 يوليو 1900م ختمت بختم الحاكم ما يلي: بسم الله من عيسى بن علي إلى شملان بن كاظم متولي بقوة وبعد عرفك عن رتبة الدولة (منّ) حق جبر بن ناصر بن جبر (وربع مَنّ) ارطب والسلام» على أهالي الزبارة.

ومع تأسيس مؤسسات الدولة الحديثة في البلاد وانطلاق التعليم النظامي وتأسيس البلديات والشرطة عام 1919م، تطورت أنظمة المعاشات وأمنت الدولة الخليفية الحقوق التقاعدية لرعاياها في الزبارة، وقد خصص جواد العريض باباً في كتابه «خط تحت الماء»، أكد فيه أن حكام الدولة الخليفية اعتادوا دفع المخصصات الشهرية لرعاياهم في الزبارة، وكان يتم تسجيل أسماء هؤلاء الأفراد من أهل الزبارة في قائمات كانت تعرف باسم «قوائم البحرين المدنية» و«قوائم معاشات البحرين»، والتي تضمنت بالإضافة إلى الرواتب الحقوق التقاعدية لرعايا الدولة الخليفية في الزبارة.

هذا النظام التقاعدي يعد الأقدم في تاريخ شبه جزيرة قطر، ومازالت سجلات رعايا الدولة الخليفية محفوظة في أرشيف الهيئة العامة للتأمين الاجتماعي في مملكة البحرين حتى يومنا هذا.