بلومبرغ


أكدت كاري لام رئيسة السلطة التنفيذية في هونغ كونغ في كلمة لها خلال منتدى قانوني يوم الاثنين، المحافظة على حرية الصحافة منذ أن أصدرت الصين قانون الأمن القومي للمدينة العام الماضي. تزامن ذلك وفي اليوم ذاته، مع تحرك الحكومة لتقييد الوصول إلى معلومات الشركات التي تساعد الصحفيين على الكشف عن المخالفات المالية وتسليط الضوء على قضايا المصلحة العامة ومحاسبة الفاسدين، وسط استمرار تراجع الحكومة عن الالتزام بالشفافية.

حجب معلومات من الإفصاحات

يقترح المسؤولون السماح للمديرين بحجب بعض المعلومات من إفصاحات وتقارير الشركات، بما يتيح لهم استبدال العناوين السكنية بعناوين مراسلات، ونشر بيانات تعريف جزئية بدلاً من البيانات الكاملة، وذلك قبل بدء تطبيق نظام تفتيش جديد على مراحل الشهر المقبل. وتمضي الإدارة في خطة معدلة تسمح لبعض "الأشخاص المحددين" بالاستمرار في الوصول إلى البيانات الكاملة بعد سلسلة من اعتراضات المحامين والمحاسبين والمستثمرين وخبراء حوكمة الشركات ووسائل الإعلام، حيث تم استبعاد الصحفيين من قائمة الأشخاص المؤهلين للوصول إلى البيانات.

قالت الحكومة إن الهدف من الخطة، يتمثل في منع جمع المعلومات الشخصية الموجودة في إفصاحات الشركات العامة وإساءة استخدامها. قد يكون ذلك الهدف مصدر قلق مشروع، لكنه لا يمثل عذراً مناسباً، خصوصاً عندما يأتي من إدارة أظهرت عداءً متزايداً لقيم هونغ كونغ القديمة، المتمثلة في حرية الصحافة وتدفق المعلومات.

أبدى مسؤولون محليون تعينهم وتحاسبهم الحكومة المركزية، قلقهم بشأن كيفية استخدام وسائل الإعلام لمثل تلك البيانات في الإفصاحات العامة. وتعد هونغ كونغ التي تفرض معدلات ضريبية منخفضة، ملاذاً مناسباً للنخب السياسية والتجارية الصينية، التي تفضل إبقاء أنشطتها بعيدةً عن أعين المتطفلين. لكن المشكلة الحقيقية تكمن في أن نقاط القوة التنافسية للمدينة كمركز مالي، يعتمد على المفاهيم الغربية التي تشمل حرية الصحافة والمساواة أمام القانون.

أجواء محتقنة

تتقلص أعداد الرافضين للسماح للشركات بإخفاء البيانات الشخصية للمديرين في ظل الجو العام المحتقن الذي ساد هونغ كونغ منذ اضطرابات عام 2019. ويبقى التساؤل المهم ما إذا كانت القواعد الجديدة مناسبة وتفي بالغرض، وما مدى تأثيرها على تعزيز أو تقويض نقاط القوة الأساسية في هونغ كونغ كمركز مالي وتجاري من الدرجة الأولى. وتقول الحكومة إن إجراءات التفتيش الجديدة تشبه ما يتم تطبيقه من إجراءات قضائية وقانونية في بريطانيا وأستراليا. لكن تلك الادعاءات مشكوك في صدقيتها.

تقول "جان موير" مديرة أبحاث هونغ كونغ في الرابطة الآسيوية لحوكمة الشركات، إن بريطانيا لديها قواعد ترسخ الانفتاح والشفافية بشكل أكبر من ذلك. قد لا تكون هناك بطاقات هوية، لكن إفصاحات الشركات البريطانية توفر ثروة من المعلومات التي تساعد على تحديد الأشخاص وتتبع الأنشطة والاهتمامات، بما في ذلك تاريخ الميلاد والجنسية والمالكون المستفيدون وحسابات الشركة. كما إن البحث مجاني وسهل، على عكس ما هو قائم في هونغ كونغ، حيث يتعين على المستخدمين الدفع مقابل كل بحث. ورغم تطبيقها نشر بيانات تعريفية للمديرين للمساعدة على منع استخدام الهويات الوهمية وتسهيل تحديد المتورطين في أنشطة غير قانونية، تبقى أستراليا أقل شمولاً في توفير البيانات من بريطانيا، بينما (تعتبر الولايات المتحدة بالمقارنة أكثر تعقيداً، لأن كل ولاية تقرر قواعدها الخاصة).

تتساءل "موير" عن سبب سماح الحكومة للشركات بتقديم عنوان مراسلة بدلاً من دفعها للكشف عن مقرها الفعلي. من المحتمل أن تتضمن إفصاحات الشركات عناوين خدمات سكرتارية الشركة التي تعمل في العديد من الشركات، وهي خطوة تمثل ارتداداً عن مسار من الشفافية.

توفير البيانات التعريفية يعد أمراً بالغ الأهمية لهونغ كونغ كمركز مالي عالمي، وقد اعترض المصرفيون وبعض المتخصصين في القطاع المالي، على تهديد وصولهم إلى المعلومات. فالمسألة ليست مجرد مخاطر استثمارية، بل تصل إلى مخاطر قانونية قد تؤدي إلى عدم قيامهم بالمهام اللازمة لتفادي التعرض لعقوبات قانونية، بموجب قوانين مكافحة غسيل الأموال أو تمويل الإرهاب.

استجابة الحكومة للشكاوى

عدّلت الحكومة من القواعد، استجابة لشكاوى مجتمع الأعمال، حيث بات يسمح لأشخاص محددين بالوصول إلى سجل الشركات والاطلاع على المعلومات التي تم حجبها. وتضم تلك الفئات المسموح لها بالاطلاع على المعلومات: بعض المحامين، المحاسبون، البنوك والمؤسسات المالية، المصفون، المسؤولون والهيئات العامة، أصحاب البيانات أنفسهم. ولم تتضمن القائمة الصحفيين.

يبقى الهدف الواضح من التعديلات التي طبقتها الحكومة، هو استبعاد الصحفيين، وهو ما يمثل انتهاكاً صارخاً، حيث قال "تشينغ تشونغ تاي"، البرلماني في اجتماع اللجنة الفرعية يوم الاثنين بشأن تلك التعديلات: "من الواضح أن هناك استهدافاً لوسائل الإعلام"، بينما نفى "سام هوي" نائب وزير المالية والخزانة أن يكون هذا هو الدافع، رغم أن تفسيره لم يوضح الأساس المنطقي للتعديلات. (رفض "هوي" أيضاً توضيح المقصود بالمصلحة العامة في التشريع الجديد، رغم قولهم إن المسؤولين سيدرسون مثل هذه السياسة في المستقبل).

كانت هنلاك دلائل على ذلك التوجه الحكومي منذ مارس، عندما قالت لام إنها لا تستطيع أن ترى سبباً لحصول الصحفيين على "امتياز" الوصول إلى هذه المعلومات، حيث كانت تلمّح وقتها إلى وجهة نظر الحكومة، بأن وسائل الإعلام تعمل برعونة وتشكل مصدر إزعاج، بدلاً من التحقق والتأكيد على التوازن بين السلطات التي تتمتع بحماية دستورية.

تحديات تشريعية

واجهت تلك التعديلات تحديات حتى داخل المجلس التشريعي الذي تم تجريده إلى حد كبير من المعارضة، منذ إقرار قانون الأمن القومي، حيث طلبت "ويندي كان" المستشار القانوني المساعد في أمانة المجلس التشريعي، في رسالة إلى أعضاء لجنة الخدمات المالية، تسألهم توضيح ما إذا كانت التعديلات تتوافق مع ضمانات حرية الصحافة والمساواة أمام القانون، والمنصوص عليها في قانون هونغ كونغ الأساسي ووثيقة الحقوق (سكرتارية الخدمات القانونية في الأمانة العامة مسؤولة عن التحقق من أن كل مشاريع القوانين التي تقدّمها الحكومة متوافقة مع هذه التشريعات التأسيسية). لكن الحكومة لم ترد بعد.

إن رهان الحكومة على قدرتها على المحافظة على التدفق الحر للمعلومات ضمن قطاعات الأعمال التي تكون مفيدة للأعمال التجارية، ومنعها عن أولئك الذين لا تؤيد أهدافهم من ذلك الاطلاع، يعد تضليلاً. فالشفافية أمر شامل لا يعرف التمييز. فأينما سيتم منع تدفق المعلومات، سوف يزدهر الفساد.