ساهم النشاط البشري خلال السنوات الماضية بتغيير التوازن الدقيق للأرض والبيئة، ما أدى إلى ارتفاع غير مسبوق في درجات الحرارة، وزيادة هائلة في منسوب غاز ثاني أكسيد الكربون الموجود بالغلاف الجوي الناتج بشكل رئيسي عن حرق الوقود الأحفوري.

هذه الحرارة التي يؤكد خبراء أنها ستزداد مع مرور الوقت، تساهم في ذوبان الأنهر الجليدية كما هو ظاهر في القطب الشمالي وجبال الألب، وتبخر مياه المحيطات، زجفاف الأنهر، وتساهم في انهيار السدود، وتفتعل حرائق الغابات على غرار تلك التي شهدتها أميركا الشمالية أخيراً، وتسبب الفيضانات والسيول المدمرة التي اجتاحت مؤخراً أجزاء من أوروبا والصين.

علاقة طردية

يتفق العلماء، على وجود علاقة طردية بين درجات الحرارة وعملية التبخر (سقوط الأمطار). فكلما كان الغلاف الجوي أكثر دفئاً، زادت كمية المياه التي تتبخر على شكل أمطار.

خطر على السدود

ومع تقدم التنمية الحضرية والنشاط البشري الصناعي، فإن معظم أنحاء العالم باتت مغطاة بالإسفلت والخرسانات ومواد البناء، ما أدى بطبيعة الحال إلى جفاف واسع النطاق للأراضي الرطبة، وهذا يعني أنه عندما يسقط المطر الغزير، فإنه غالباً لن يتم امتصاصه بسهولة أو لن يجد مكاناً ليستقر فيه.

حتى أن السدود التي سبق وتم تشييدها ليست بمأمن من التغير المناخي، إذ قال ميشال دي فيفو الأمين العام للجنة الدولية للسدود الكبيرة، في مقابلة مع وكالة "فرانس برس"، الخميس، إن "ارتفاع منسوب مياه المجاري المائية يُشكل الخطر الأكبر على أمن السدود في العالم، نظراً إلى كونها معرّضة لتداعيات الاختلال المناخي".

وأشار دي فيفو إلى أن الخطر الأبرز يكمن في "صعوبة استباق حدوث ارتفاع في منسوب المياه، إذ أن السدود صُممت لتقاوم الارتفاع الشديد في منسوب المياه منذ مئات السنين، غير أن التغير المناخي بات يغير المعادلة. فكمّيات المياه لا تتزايد بالضرورة لكن التقلّبات باتت أكثر شدّة، مع فترات جفاف أكثر طولاً وارتفاع أكثر حدّة في مستوى المياه".

كورونا أثرت أيضاً

وبحسب "المنظمة العالمية للأرصاد الجوية" (WMO)، بات العالم الآن أكثر دفئاً بنحو درجة مئوية واحدة (33.8 درجة فهرنهايت) مما كان عليه قبل عمليات التصنيع الكبيرة مثل إنتاج الوقود الأحفوري وغيره من الأعمال الصناعية الكبرى التي تنتج عنها انبعاثات للغازات السامة في الهواء، ما يؤثر على الغلاف الجوي وطبقة الأوزون.

وأشارت المنظمة في تقرير عن حالة المناخ العالمي لعام 2020، نُشر في أبريل الماضي، إلى أن تركيزات غازات الاحتباس الحراري الرئيسية (ثاني أكسيد الكربون، والميثان، وأكسيد النيتروز) استمرت في الزيادة على الرغم من الانخفاض المؤقت في الانبعاثات في عام 2020 بسبب تداعيات أزمة وباء فيروس كورونا.

تواتر الظواهر الجوية

وأكد التقرير أن العقد الماضي (2011 – 2020) كان أكثر العقود دفئاً على الإطلاق، إذ ساهم ارتفاع درجات الحرارة العالمية في زيادة تواتر وشدة الظواهر الجوية القاسية حول العالم، بما في ذلك موجات البرد والحرارة والفيضانات والجفاف وحرائق الغابات والعواصف.

وحذرت المنظمة من أنه "بشكل عام في عام 2020، ظل العالم في طريقه لتجاوز عتبات درجات الحرارة المتفق عليها إما 1.5 درجة مئوية أو 2 درجة مئوية فوق مستويات ما قبل الصناعة"، في إشارة إلى المستويات المتفق عليها في إطار اتفاقيات باريس للمناخ عام 2015.

وفي نوفمبر المقبل، ستتم دعوة دول العالم إلى تقديم أهداف أكثر طموحاً لخفض الانبعاثات في محادثات المناخ الأممية (COP 26) في غلاسكو، ما لم يتم تأجيلها للمرة الثانية بسبب الجائحة.

وتعتبر منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا من النقاط الساخنة لتغير المناخ لأنها جافة جداً.

وفقاً لمقال نشرته "جامعة ييل" الأميركية في أكتوبر 2018، فإن المناطق الرطبة في الأجزاء المدارية للكرة الأرضية تتقلص، فيما تتوسع الأجزاء الأكثر جفافاً فيها، مما يؤدي إلى جفاف الطقس في أماكن مثل البحر الأبيض المتوسط.

وأكد المقال أنه مع تزايد حدة المناخ، فإن الأشخاص الذين يقتربون من نهاية حياتهم سيموتون في وقت أبكر، في عملية يسميها العلماء بشكل قاتم "حصاد الوفيات"، ومع ارتفاع درجات الحرارة وضعف الغطاء النباتي، فإن الحيوانات التي لا تستطيع التكيف ستموت بشكل متزايد من الإنهاك الحراري، ما يؤدي إلى انقراض العوامل الرئيسية في النظام البيئي.

ومن المحتمل أيضاً، وفقاً للتقرير، أن يؤدي الاحترار العالمي إلى مزيد من الأمراض والأوبئة وسوء التغذية.

حرائق أميركا الشمالية

وعلى رغم أن الفيضانات في أوروبا والصين، والحرائق في أميركا الشمالية ودول أخرى حول العالم لم تككن مفاجئة في توقيتها، إلا أن قوتها هي ما فاجأ العلماء.

وأعلنت غرب كندا حال الطوارئ وبدأت بعملية إجلاء آلاف الأشخاص، بسبب الحرائق التي تجتاح الأراضي منذ أسابيع، بالتزامن مع موجة حر شديدة نهاية يونيو، ردها الخبراء إلى التغير المناخي.

وفي الجانب الآخر من الحدود في الولايات المتحدة، يتصدّى رجال الإطفاء لحرائق ضخمة، باتت وفق خبراء، تخلق "مناخها الخاص".

ويجتاح قرابة 80 حريقاً هائلاً مئات آلاف الهكتارات في ولايات عدّة غرب البلاد، أكبرها حريق "بوتليغ" الذي اندلع في أوريغون، وأتى خلال أسبوعين على مساحة من الغابات والنباتات تعادل مدينة لوس أنجلوس.

وفي ولاية كاليفورنيا المجاورة، تم إخلاء قرى عدة مع تقدّم حريق "ديكسي"، الذي نتج على الأرجح عن سقوط شجرة على خطوط كهرباء لشركة تزويد رئيسية.

ويقول علماء إن موجات الحر التي تضرب غرب الولايات المتحدة وكندا، كانت ستكون "مستحيلة عملياً" لولا ظاهرة تغير المناخ التي يسببها النشاط البشري.

فيضانات أوروبا والصين

في أوروبا، شهدت ألمانيا وبلجيكا الأسبوع الماضي، كارثة فيضانات هي الأسوأ في تاريخ المنطقة، أودت بحياة 172 شخصاً على الأقل في ألمانيا و31 آخرين في بلجيكا وفقدان العشرات، فيما طالت الفيضانات العاتية لوكسمبورغ وهولندا أيضاً، من دون أن تتسبب في أي وفيات هناك.

وقال إدواردو أرارال الأستاذ المساعد والمدير المشارك بمعهد سياسات المياه بكلية "لي كوان يو" للسياسات العامة في سنغافورة لوكالة "رويترز": "على الحكومات قبل كل شيء أن تدرك أن البنية التحتية التي أقامتها في الماضي أو حتى الوحدات الحديثة ضعيفة في مواجهة هذه الأحداث الجوية المتطرفة".

زيادة العواصف

ونقلت "رويترز" عن دراسة نشرت في 30 يونيو الماضي، في دورية "جيوفيزيكال ريسيرش لترز"، أن من المرجح أن يؤدي التغير المناخي في أوروبا إلى زيادة عدد العواصف الضخمة بطيئة الحركة التي يمكن أن تستمر لفترة أطول في منطقة واحدة، وتتسبب في أمطار شديدة الغزارة مثل ما شهدته ألمانيا وبلجيكا.

وتوصل باحثون في الدراسة التي أجريت بالمحاكاة عن طريق أجهزة الكمبيوتر إلى أن مثل هذه العواصف ربما تتكرر بحلول نهاية القرن، بما يزيد 14 مرة عن الوضع الحالي، وفقاً لـ"رويترز".

وقال فريد هاترمان من "معهد بوتسدام لبحوث أثر المناخ": "تحتاج لتدابير تقنية وتدعيم السدود وحواجز الفيضانات. لكننا نحتاج أيضاً لإعادة تصميم المدن".

وفي الصين، ارتفعت حصيلة الفيضانات التي اجتاحت وسط البلاد إلى 33 وثمانية مفقودين، حسبما أعلن التلفزيون الرسمي الخميس، بعدما اجتاحت السيول قطار أنفاق وجرفت مئات العربات في مقاطعة خنان وعاصمتها تشنغتشو، حيث تم إجلاء قرابة 376 ألف شخص.

في حين غرق أكثر من 200 ألف هكتار من الأراضي الزراعية، تقدر كلفة الأضرار بنحو 1,22 مليار يوان (160 مليون يورو)، حسب للمصدر نفسه.

وقال كوه تيه يونغ خبير الطقس والمناخ بجامعة العلوم الاجتماعية في سنغافورة لـ"رويترز"، إنه "من الضروري إجراء تقييم عام للأنهار وشبكات المياه في المناطق المعرضة للتأثر بالتغير المناخي بما في ذلك المدن والمناطق الزراعية".

تحذيرات وتوقعات

وفي يونيو الماضي، حذرت الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ من أن عشرات الملايين من البشر سيعانون من المجاعة والجفاف والأمراض في غضون عقود، في إطار العواقب الكارثية للاحترار المناخي على صحة البشر.

وبينما يزيد الاحترار العالمي المناطق الملائمة لتكاثر البعوض والحشرات الأخرى الحاملة للأمراض، تحذر الدراسة من أن نصف سكان العالم قد يتعرضون بحلول منتصف القرن لأمراض منقولة عبر الحشرات مثل حمى الضنك والحمى الصفراء وفيروس زيكا.

ومن المتوقع أن تزداد مخاطر الملاريا ومرض اللايم، كما أن وفيات الأطفال بسبب الإسهال في طريقها للازدياد حتى منتصف القرن على الأقل، على الرغم من وجود تنمية اجتماعية واقتصادية أكبر في البلدان التي ستشهد معدلات إصابات مرتفعة.

وتوضح الدراسة أيضاً كيف أن تغير المناخ سيزيد من عبء الأمراض غير المعدية، فالأمراض المرتبطة بنوعية الهواء الرديئة والتعرض لأشعة الأوزون مثل أمراض الرئة والقلب "ستزداد بشكل كبير"، مشيرة إلى أنه "ستكون هناك أيضاً مخاطر متزايدة لتلوث الغذاء والمياه" بسبب النفايات السامة البحرية.

وستكون أكثر الفئات ضعفاً في العالم كما هي الحال دوماً، الضحايا الكبرى للتأثيرات المناخية هذه، وهذا هو الواقع الذي كشفته تداعيات وباء فيروس كورونا.

مبادرات لتخفيف الأثر

وفي ضوء هذه المخاطر البيئية، انصبت أنظار العالم نحو ضرورة التحرك سريعاً، للحد والتقليل من انبعاثات الغازات الدفيئة، وللحفاظ على الغابات وزراعة ملايين الأشجار، ليس من أجل امتصاص الانبعاثات الكربونية الهائلة فحسب، بل أيضاً لحماية التنوع الأحيائي والنظام البيئي بأكمله.

وأعلنت الصين الجمعة، إطلاق "سوق الكربون" الخاص بها، والذي يفترض أن يساعدها على تقليل انبعاثاتها ويعد أداة حاسمة لمكافحة تغيرات المناخ. وسيجبر سوق الكربون الصيني الجديد آلاف الشركات في البلاد على تقليل انبعاثاتها المسببة للتلوث، وإلا فستتكبد خسائر اقتصادية.

وقالت وكالة الطاقة الدولية، إن النظام الصيني الجديد سيغطي مبدئياً 2225 من المنتجين الصينيين للطاقة الكهربائية، الذين يولّدون نحو سُبع انبعاثات الكربون العالمية من احتراق الوقود الأحفوري.

وتُعد مبادرتا "الشرق الأوسط الأخضر" و"السعودية الخضراء"، اللتين أطلقتهما السعودية في الـ27 من مارس الماضي، من المبادرات الهادفة لحماية الغطاء الشجري، إذ أعلن ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان عن المبادرتين، بهدف المساهمة في جهود مكافحة التغير المناخي في الشرق الأوسط، من خلال رفع الغطاء النباتي، وتقليل انبعاث الكربون، ومكافحة التلوث وتدهور الأراضي.

وتتضمن مبادرة "السعودية الخضراء"، زراعة 10 مليارات شجرة داخل المملكة، بما يعادل إعادة تأهيل نحو 40 مليون هكتار من الأراضي المتدهورة، في حين تستهدف مبادرة "الشرق الأوسط الأخضر"، زراعة 40 مليار شجرة إضافية في الشرق الأوسط، وهو أكبر برنامج إعادة تشجير في العالم.

وفي الولايات المتحدة، قالت صحيفة "ذا هيل" الأميركية، إن الديمقراطيين يتطلعون إلى فرض ضريبة على الواردات القادمة من الدول التي ليس لديها سياسات مُحكمة تهدف إلى مكافحة تغير المناخ، إذ يسعون لتضمينها في حزمة إنفاق كبيرة يمكن أن تمر من دون أصوات الجمهوريين.

بينما تعهدت الهند في مؤتمر باريس للمناخ عام 2016، بزيادة الغطاء الشجري، بحيث يبلغ 235 مليون فدان بحلول عام 2030.