بقلم رؤى الحايكي

كم هو مؤلم أن نلاحظ أن هناك فئة من الناس في مجتمعنا يعتمدون أسلوب الكذب والخداع في حياتهم، ويرتدون أقنعة البراءة وصدق النية ونظارات تخفي كلام العيون وحقيقته، وللأسف الشديد لقد كثرت الأقنعة في الآونة الأخيرة وأصبحت النفوس تتقلب كما يتقلب القلب. طبعاً ذلك لا يعني أن الجميع يتصفون بلبس الأقنعة والتقلب والرياء، ولكن فئة كبيرة من الناس أصبحت كذلك.

وتعتقد هذه الفئة أن ذلك يدل على مستوى ذكائهم العالي وأن الكذب والخداع لعبة لا يجيدها غير الشاطر، والمؤسف أيضاً أنهم يرفضون أي اتهام لهم بالكذب أو النفاق عن وعي منهم، وربما بغير وعي كون الإنسان بطبيعته متأقلماً ومتحوراً ما يجعل الكذب مع تكراره روتين حياة، فيصعب بعدها التفريق بين ما هو حقيقي وما هو كذب وافتراء.

ويشير باحثون في علم الاجتماع والنفس من خلال الاختبارات إلى أن الكذبة تبدأ مثل كرة صغيرة من الثلج، تكبر هذه الكرة كلما تدحرجت أكثر وأكثر، بعدها يبدأ الشعور بالذنب بالانحسار التدريجي وخاصة إذا كان الكذب يتعلق بمنفعة شخصية. وتقول سيسلا بوك وهي عالمة الأخلاقيات في جامعة هارفارد :"إن الكذب أمر سهل جداً مقارنة بالطرق الأخرى لاكتساب السلطة، فمن السهل على الإنسان أن يكذب من أجل الحصول على ثروة أحدهم بدلاً من أن يضربه على رأسه أو أن يسطو على أحد البنوك".

وتقول عالمة الأعصاب تالي شاروت التي قامت بدراسات على مشاركين في تجارب تتعلق بدراسة الكذب وتأثيراته على الإنسان: "إن الكذب يتعاظم مع تكراره ويقل شعور المشترك بتأنيب الضمير مع الوقت، وعندما نكذب لتحقيق نفع ذاتي تقوم لوزة الدماغ بتفعيل شعور سلبي، مقدار هذا الشعور يحدد لنا إلى أي مدى نحن مستعدون للكذب".

وهناك دراسات علمية أخرى تمكنت من قياس وفهم ملامح كيفية تحول الإنسان من حالة الشرف إلى صفة الكذب الدائم. إن هذه الدراسات استنتجت أن هناك صراعاً دائماً داخل الفرد الذي يكذب باستمرار، صراع بين رغبته الصادقة بالظهور أمام الجميع بمظهر النزيه والشريف، ورغبته في تحقيق المنفعة الشخصية. إن هذا الصراع يسبب تشوش الفكر وعدم راحة القلب بسبب مواصلة الكذب على الآخرين، وتوصلت أيضاً هذه الدراسات إلى أن الكذب مهارة يتقنها الإنسان مع الوقت وليست صفة متأصلة فيه أو صفة موروثة من أسلافه.

الخلاصة، من السهل جداً على الإنسان أن يتحول من شريف إلى كذاب إذا اعتمد تكرار الكذب ونسي وازعه الديني وأيضاً التأثير السلبي للكذب على حياته مستقبلاً؛ فالإنسان بطبيعته يكتسب مهارات ويتقنها مع الوقت وخاصة إذا ارتبطت المسألة بتحقيق مصلحة شخصية، ومن السهل جداً أن يقع الإنسان فريسة لمصالحه متناسياً أن الثمن الذي يدفعه للوصول إليها وإن كان يبدو سهلاً "بكذبة" إلا أن الكذبة قد تسلبه ضميره وشرفه إلى الأبد.