سكاي نيوز عربية


عقب الإجراءات الاستثنائية التي شهدتها تونس، بما في ذلك إقالة الحكومة وتجميد عمل البرلمان، بدأ الرئيس قيس سعيّد التحرك في ملف الأموال المنهوبة وتحكم رجال أعمال بأعينهم في مقدرات البلاد، بعدما استفادوا من غطاء سياسي منحته قوى سياسية على رأسها حركة النهضة الإخوانية.

ويقول حقوقيون واقتصاديون إن الأمر لا يتوقف عند الغطاء السياسي الذي يتجلى في سن قانونين "على المقاس"، بل إن عددا من عناصر النهضة جمعوا أموالا طائلة بطرق غير مشروعة.

وقال اقتصاديون إن استعادة الأموال المنهوبة في تونس ليس بالأمر السهل، فهو يحتاج إلى إجراءات تجبر رجال الأعمال الفاسدين على إعادتها.

وكان سعيّد قال في كلمة نشرتها وسائل إعلام محلية خلال لقاء رئيس الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة سمير ماجول، إن 460 شخصا غالبيتهم من رجال الأعمال نهبوا ما مقداره 13.5 مليار دينار تونسي (4.8 مليارات دولار) من أموال الشعب.

ودعا الرئيس التونسي "كل من تورطوا في ملفات فساد ورشوة ونهب للمال العام إلى عقد صلح جزائي، والتعهد بالقيام بمشاريع تنموية في المناطق الفقيرة".

وكانت مسألة محاسبة من تورطوا في نهب المال العام ومطالبتهم بإرجاعها للشعب، إحدى أبرز المبادئ التي تحدث عنها طويلا الرئيس التونسي خلال حملته الانتخابية.

واستند سعيّد في كلامه جزئيا إلى تقرير اللجنة الوطنية لتقصي الحقائق حول الرشوة والفساد منذ أواخر 2011، وذلك إثر الاحتجاجات التي أطاحت نظام زين العابدين بن علي، الرئيس الأسبق.

ورصد التقرير الفساد منذ عهد بن علي، بما في ذلك سرقة المال العام والحصول على أراضي الدولة بثمن بخس، والتلاعب في الصفقات التي تخص المشاريع الكبرى في تونس، إلى جانب تجاوزات خطيرة في القطاع البنكي والمالي.

لكن إسقاط نظام بن علي لم يقض على هذه الظاهرة، إذ استمرت في العهد التالي الذي كانت حركة النهضة عنوانه.

وتقول مصادر حقوقية إن بعض المتورطين من رجال الأعمال دخلوا بعد عام 2011 في علاقات مشبوهة مع كتل سياسية أبرزها حركة النهضة، التي توجه إليها تهم باستغلال وابتزاز رجال الأعمال.

وفي المقابل، عملت الحركة على "دفن" ملفات الفساد المتعلقة برجال الأعمال وتعطيل مسارات التحقيق والعدالة، مع سن قوانين مصالحة "مفصلة".

وليس هذا فحسب، فهناك من منتسبي حركة النهضة من تمكن خلال سنوات قليلة من تكوين ثروات طائلة، خصوصا من قياديي الصف الأول، بسبب ابتزاز رجال الأعمال.

دفنوا التقرير

وفي تصريحات لموقع "سكاي نيوز عربية"، أفاد المختص في الاقتصاد حسين الرحيلي، أن تقرير لجنة تقصي الحقائق "تم دفنه من قبل سياسيين، بهدف التستر على أكثر من 400 رجل أعمال متورط في نهب أموال الدولة، استفادوا من قروض بصفة غير قانونية ومن دون ضمانات، وحصلوا على عقارات تابعة للدولة وأراض زراعية دون وجه حق".

وأضاف الرحيلي: "تم ابتزازهم (رجال الأعمال) من طرف حركة النهضة خلال فترة حكم الترويكا، وتهديدهم بالسجن، فإما أن تكونوا معنا أو السجن".

وتابع: "ما اقترحه سعيّد من إجراء صلح جزائي مع الفاسدين من رجال الأعمال لاسترجاع أموال عمومية أمر صعب من حيث التحقيق وربما يكون طرحا طوباويا، فليس من بين رجال الأعمال من سيبادر ويذهب للجهات المفقرة ليبني مستشفى أو مدرسة أو يعبد طريقا".

واعتبر الرحيلي أنه "على رئاسة الجمهورية إصدار قرار يلزم المعنيين بإرجاع الأموال للدولة فورا، أو تقع مصادرة ممتلكاتهم ومصانعهم وتجميد حساباتهم البنكية. إما الدفع أو المصادرة".

الملف تعطل لأسباب سياسية

من جهة أخرى، أكد رئيس كونفدرالية مؤسسات المواطنة التونسية طارق الشريف، أنه "كان من الضروري على كل رجل أعمال ثبت تورطه في قضايا فساد مالي أو رشوة أو استغلال نفوذ، أن يسعى لتسوية وضعيته وإرجاع الأموال".

وأضاف الشريف في تصريح لموقع "سكاي نيوز عربية"، أن "مسار المحاسبة والمصالحة الاقتصادية تعطل لسنوات طويلة لأسباب سياسية"، مؤكدا أن "الأمر ليس هينا ويتطلب التدقيق في كل المعطيات وضمان حقوق الأشخاص والحرص على المحاسبة العادلة".

أما الرئيس الوطني للغرفة الفتية الاقتصادية محمد قعليش، فيري أنه من المهم المضي في تنفيذ ما دعا اليه سعيّد عبر مصالحة جزائية، والحد من التهرب الضريبي وكل أشكال الفساد التي نخرت الاقتصاد التونسي، من أجل استرجاع المال العمومي.

كما نبه قعليش إلى "ضرورة ألا يظل الأمر في مستوى شعارات ترفع باستمرار وتهديد يسلط على رجال الأعمال"، مذكّرا أن "رجال الأعمال تعرضوا لعمليات ابتزاز شنيعة من قبل السياسيين في الفترة السابقة، وتم استغلالهم في تمويل الحملات الانتخابية".

وشدد على أن "في تونس رجال أعمال شرفاء أسهموا في بناء الاقتصاد الوطني، وتنمية الجهات وتوفير الوظائف".