سماح علام

أكدت زينب العويناتي، رئيسة نيابة الأسرة والطفل، جاهزية النيابة العامة لتطبيق قانون العدالة الإصلاحية الجديد، والذي يهدف إلى تحقيق وتعزيز العدالة الإصلاحية للأطفال في جميع مراحل الدعوى الجنائية، ويضمن رعايتهم وحمايتهم من سوء المعاملة، لتكون مصالح الطفل الفضلى ذات الأولوية في جميع الأحكام والإجراءات المتعلقة به.

وأوضحت العويناتي، في حوار خاص مع وكالة أنباء البحرين (بنا)، أن القانون الجديد الذي بدأ تطبيقه هو قانون شامل وجامع لمعاملة الطفل جنائياً وعند تعرضه للخطر أو لحالات سوء المعاملة، ويأتي تحقيقاً لنهج حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، عاهل البلاد المفدى حفظه الله، ورعاه في تطوير المنظومة التشريعية والاهتمام في هذا الإطار بحماية حقوق الطفل، وبما يتوافق مع الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل والبروتوكولين الاختياريين الملحقين بالاتفاقية التي انضمت إليها مملكة البحرين.

ولفتت العويناتي إلى أن القانون، في الأصل، لا يقرر مسؤولية جنائية على الطفل الذي لا يتجاوز الخامسة عشر، وبالتالي لا تترتب عقوبات على الطفل الجانح في هذه السن؛ وإنما تدابير يهدف منها تقويم سلوكه وارشاده، مؤكدة أن قانون العدالة الإصلاحية هو قانون متقدم ومستنير وذو منهجية جديدة في النظر في القضايا الإصلاحية.

مشيرة إلى أن القانون الجديد قد أنشأ لجنة قضائية تختص بالنظر في طلبات استبدال العقوبات المقضي بها قبل نفاذ هذا القانون، ومن ثم لم يقف القانون عند حد تنظيم معاملة الطفل جنائيا بشأن الوقائع اللاحقة عليه، بل توجه للإحاطة بحالة الطفل ومركزه القانوني بالنسبة لمن سبق وقضي بمعاقبته قبل العمل بالقانون، إضافة إلى نصه على سريان أحكام انقضاء الدعوى بالصلح والتصالح، بما يسيغ اللجوء كذلك إلى الوساطة الجنائية في قضايا الطفل لما فيه مصلحته التي هي غاية المشرع من القانون ولها الأولوية في جميع الإجراءات.

ولفتت إلى أن من أبرز ما اشتمل عليه القانون هو رفع سن الطفل من 15 إلى 18 سنة، تماشياً مع الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل التي صادقت عليها المملكة، ووجوب حضور الخبراء الاجتماعيين والنفسيين للجلسات، وعمل دراسة حالة للطفل المعرض للخطر، وتقييم مستوى البيئة المحيطة به، وإصدار تدابير لمتابعة الحالات، وزيارتها بشكل دوري، وعمل تقارير كل 6 أشهر تعرض على المحكمة.

وذكرت رئيسة نيابة الأسرة والطفل أن القانون الجديد يشتمل على العديد من المبادئ الأساسية الواجب الالتزام بها في التعامل مع الطفل، إلى جانب العديد من القواعد الإجرائية التي تكفل للطفل معاملة خاصة تتفق وسنه وحالته الشخصية والنفسية، وبما يضمن مراعاة حقوقه في الخصوصية وفي التمثيل القانوني وحصوله على المساعدة القانونية والقضائية، وفي الاستماع إليه وتفهم متطلباته، كما يضمن القانون بتلك المبادئ والقواعد توفير الحماية والمساعدة الصحية والاجتماعية له.

وبينت أن القانون استحدث محاكم العدالة الاصلاحية للطفل التي لها اختيار التدبير أو العقوبة التي تتفق والأحكام القانونية المقررة لمعاملة الطفل جنائياً، وكذلك تقريره معاملة خاصة للأطفال الجانحين ممن يتجاوزون الخامسة عشرة إلى الثامنة عشرة، حيث خفف العقوبات المقررة بالنسبة للطفل من هذه الفئة العمرية بحيث تتناسب مع وضعيته كطفل، علماً بأنه لا يعاقب الطفل في هذه المرحلة العمرية أي فوق 15 سنة الى 18 سنة إلا بعقوبة سالبة للحرية مخففة أو الغرامة.

وتأكيداً على دور المختصين كشركاء فاعلين في منظومة حماية الطفل؛ بينت العويناتي أن القانون الجديد جعل للخبراء النفسيين والاجتماعيين دوراً مهماً في إجراءات المحاكمة من خلال ما يجرونه من بحث وتقييم لحالة الطفل وظروفه، وما ينتهون إليه من آراء تعتد بها المحكمة أو اللجنة القضائية للطفولة، وبالتالي تأتي الأحكام والأوامر والقرارات الصادرة إزاء الطفل مبنية على رؤية شاملة وواضحة لحالته الاجتماعية والصحية والنفسية.

وفيما يتعلق باختصاص محاكم العدالة الإصلاحية للأطفال واللجنة القضائية للطفولة قالت العويناتي؛ إن هذه المحاكم تختص بالفصل في الدعاوي الجنائية الناشئة عن الجرائم التي يرتكبها الأطفال ممن تجاوزت أعمارهم خمس عشرة سنة ميلادية كاملة وقت ارتكاب الجريمة، أما اللجنة القضائية للطفولة فتختص بالنظر في حالات تعرض الطفل للخطر أو سوء المعاملة المحالة إليها من نيابة الأسرة والطفل.

وفي توضيح لأنواع حالات تعرض الطفل للخطر قالت العويناتي إن هذه الحالات جاءت في القانون على سبيل الحصر وهي؛ إذا صدر من الطفل فعل يشكل جناية أو جنحة ولم يتجاوز 15 سنة، أو إذا كان متسولاً أو مشرداً، أو خالط أشخاصا منحرفين أو مشتبهاً بهم أو عرف عنهم سوء السيرة، أو كان مصاباً بمرض بدني أو عقلي أو نفسي على نحو يؤثر في قدرته على الإدراك أو الاختيار، أو إذا وجد مشاركاً في مظاهرة أو مسيرة أو تجمع أو اعتصام سياسي لم تُراع فيه ضوابط المرسوم بقانون بشأن الاجتماعات العامة والمسيرات والتجمعات.

ويُعد الطفل معرضاً للخطر أيضاً إذا لم تكن له وسيلة مشروعة للعيش ولا عائل مؤتمن، أو إذا إعتاد الهروب من المدارس أو معاهد التعليم أو التدريب، أولم يكن له محل إقامة ثابت أو كان يبيت في الطرقات، أو إذا قام بأعمال تتعلق بالدعارة أو الفسق أو إفساد الأخلاق أو القمار أو المخدرات أو نحوها، أو كان سيء السلوك مارقا من سلطة ولي أمره أو المسؤول عنه.

وأكدت العويناتي تناسب التدابير التي نص عليها القانون إذ يجوز لمحكمة العدالة الاصلاحية للطفل واللجنة القضائية للطفولة أن توقع أي مما تراه مناسبا من تلك التدابير مثل التوبيخ أو التأنيب أو توجيه اللوم، وتسليم الطفل إلى ولي أمره أو المسؤول عنه، أو الاعتذار من المجني عليه، أو وضع الطفل تحت إشراف شخص مؤتمن، أو وضع الطفل تحت الاختبار القضائي، أو إلحاق الطفل ببرنامج تدريب وتأهيل أو برنامج تربوي يكفل إعداده وتأهيله للعودة والاندماج في المجتمع كمواطن صالح، أو حظر ارتياده مكان معين أو إلزامه بالحضور أمام شخص أو هيئة معينة.

وأردفت العويناتي قائلة إن التدابير التي تقضي بها محكمة العدالة الإصلاحية أو اللجنة القضائية تتنوع لتشمل إيداع الطفل في مستشفى متخصص إذا كان مريضاً، أو إيداع الطفل في مؤسسة اجتماعية فإذا كان من ذوي الإعاقة يكون الإيداع في مركز مناسب لتأهيله، أو إلزامه بالمشاركة في أنشطة تطوعية مناسبة له، أو تكليفه بالقيام بعمل للمنفعة العامة بدون مقابل بموافقته ولمدة لا تتجاوز سنة، أو إلزامه بالبقاء في نطاق جغرافي محدد على أن لا يتعارض مع المعتقدات الدينية له وما تفرضه عليه من شعائر، أو إلزامه بالبقاء في المنزل ويجوز للمحكمة أو اللجنة أن تقرن بعض تلك التدابير بالمراقبة الالكترونية.

وفيما يتعلق بضمانات الأطفال في ظل هذا القانون أوضحت العويناتي أنه في جميع مراحل الضبط والتحقيق والمحاكمة والتنفيذ لهم الحق في الاستماع إليهم وتفهم مطالبهم، ومعاملتهم بما يحفظ كرامتهم ويضمن سلامتهم البدنية والنفسية، فضلاً عن ضمان حقوقهم الثابتة بحصولهم على كافة المعلومات بشأن التهم الموجهة إليهم مع الاستعانة بمترجم كلما دعت الحاجة، والحصول على كافة أشكال المساعدة القانونية والقضائية، ويجب أن يكون للطفل في الجنايات محام يدافع عنه في مرحلة المحاكمة، فإن لم يكن قد اختار محامياً تولت المحكمة المختصة ندب محام للدفاع عنه.

ولفتت العويناتي إلى ضمانات أخرى مهمة اشتمل عليها القانون؛ إذ لا يجوز إيداع الاطفال أو التحفظ عليهم أو حبسهم أو سجنهم مع غيرهم من البالغين في مكان واحد، كما يجب إخطار ولي أمر الطفل أو المسؤول عنه بكل قرار أو إجراء يتخذ في حق الطفل، ولكل من هؤلاء أن يتظلم لمصلحة الطفل من ذلك القرار أو الإجراء وأن يطعن عليه بطرق الطعن المقررة في القوانين، كما أن الطفل الذي لم يتجاوز 15 سنة ميلادية كاملة لا يحبس احتياطياً بينما يجوز للنيابة المتخصصة للطفل التحفظ عليه لدى إحدى مؤسسات الرعاية الاجتماعية مدة لا تزيد على أسبوع، كما لا يجوز التنفيذ بطريق الإكراه البدني على المحكوم عليه الذي لم يكن قد أتم من العمر 18 سنة وقت التنفيذ، ولا يجوز أن يحضر محاكمة الطفل أمام محاكم العدالة الاصلاحية للطفل أو اللجنة القضائية للطفولة سوى ولي أمره أو المسؤول عنه والشهود والمحامون.

واستكمالا للضمانات التي يشتمل عليها القانون؛ لفتت العويناتي إلى أنه لا تقبل الدعاوى المدنية الخاصة بالأطفال أمام محاكم العدالة الإصلاحية للطفل، وللطفل الحق أثناء تنفيذ أي من العقوبات أو التدابير في متابعة تعليمه في مراحل التعليم المختلفة، ولا يلتزم الطفل بأداء أية رسوم أو مصاريف للتقاضي أمام اللجنة القضائية للطفولة وجميع المحاكم في الدعوى المرتبطة بتطبيق أحكام هذا القانون، ولا تدرج الأحكام الصادرة ضد الطفل في صحف أسبقياته.

وأكدت العويناتي جاهزية النيابة العامة للعمل بالقانون من قبل سريانه، فمنذ صدوره في فبراير الماضي عملت النيابة بكل طاقتها على توفير المقومات اللازمة، فنظمت وعقدت ورش عمل مكثفة لأعضائها وشاركت فيها الجهات المعنية بإنفاذ القانون وتطبيقه. وعلى التوازي من ذلك أصدر النائب العام الدكتور علي بن فضل البوعينين مجموعة من القرارات التنظيمية والتوجيهات الإرشادية منها القرار رقم 39 لسنة 2021 بإنشاء مكتب التنفيذ والرعاية اللاحقة بنيابة الأسرة والطفل.

وقالت إن هذا المكتب يعول عليه كثيراً في تحقيق أهداف القانون فهو يختص بتنفيذ ومتابعة تنفيذ الأحكام والأوامر الصادرة عن محكمة العدالة الإصلاحية واللجنة القضائية للطفولة المنشأة بموجب القانون الجديد، فضلاً عن دعم وتعزيز منظومة الرعاية اللاحقة للطفل بالتنسيق مع الجهات ذات الصلة وبما يكفل المصالح الفضلى للطفل. كما نص القرار على استعمال التقنية في عمل المكتب بإنشاء نظام إلكتروني تُقيد فيه الأحكام والأوامر والقرارات وما يتخذ من إجراءات لتنفيذها، إضافة إلى إنشاء المكتب ملف إلكتروني لكل طفل وقعت عليه عقوبة أو تدبير ليُدرج فيه ما يتخذ من إجراءات متعلقة بالتنفيذ.

كما أصدر النائب العام القرار رقم 40 لسنة 2021 بتعديل اختصاصات نيابة الأسرة والطفل في ضوء أحكام قانون العدالة الإصلاحية للأطفال وحمايتهم من سوء المعاملة، وقد تضمن القرار الإجراءات المتعين اتخاذها حيال الأطفال لدى معاملتهم جنائياً وعند تعرضهم للخطر أو حالة من حالات سوء المعاملة، وكيفية التحقيق والتصرف في الدعوى الجنائية وفقاً لما ورد بالقانون والأحوال التي يُرى فيها تعديل أو إنهاء التدابير، وغير ذلك من الإجراءات التي نص عليها القانون في شأن المعاملة الجنائية للطفل وحمايته من سوء المعاملة.

وتحقيقاً للمصالح الفضلى للطفل التي نص القانون على وجوب مراعاتها في جميع الإجراءات، فقد أصدر الدكتور علي بن فضل البوعينين توجيهاته الكتابية لأعضاء النيابة العامة كافة وذلك بموجب التعميم رقم 8 لسنة 2021، والذي تضمن بياناً مفصلاً لما يجب إتباعه حيال الطفل عند معاملته جنائياً أو عند تعرضه للخطر أو لحالة من حالات سوء المعاملة، وأوجه المصالح المتعين مراعاتها سواء من الناحية الاجتماعية أو الصحية، وأهمية وكيفية التنسيق مع مركز حماية الطفل بوزارة شؤون التنمية الاجتماعية في هذه الشؤون، والتنبيه على سرعة التصرف في القضايا الخاصة بالطفل وإصدار القرارات الميسرة لتنفيذ الإجراءات العاجلة التي يتخذها مركز حماية الطفل في حالات الخطر المحدق به، فضلاً عن توجيه نيابة الاستئناف للمراجعة الدقيقة للأحكام الصادرة في القضايا التي يُتهم فيها بالغ بارتكاب جريمة تجاه طفل أو إذا ارتكبها أحد أصوله أو المسئول عن ملاحظته وتربيته أو ممن له سلطة عليه، وذلك بهدف التيقن من مناسبة العقوبة المقضي بها مع خطورة الجريمة ولضمان الحماية التي قصد القانون توفيرها للطفل في أقصى درجاتها.