لطالما أثارت قضية حبس المدين بدين مدني الجدل بين مؤيد ومعارض، ومن الواضح أن المشرع البحريني قد غلّب رأي المعارضين بسنه قانون التنفيذ في المواد المدنية والتجارية الصادر بالمرسوم بقانون رقم (22) لسنة 2021 المنشور في العدد 3552 من الجريدة الرسمية بتاريخ 16 سبتمبر 2021. وإلغائه الباب الثامن من قانون المرافعات المدنية والتجارية، وبذلك تعود إلى دائرة الضوء المسألة الجدلية حول شرعية أو عدم شرعية حبس المدين لحمله على الوفاء بديونه.

ونصت المادة (11) من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية على أنه "لا يجوز سجن أي إنسان لمجرد عجزه عن الوفاء بالتزام تعاقدي" ما يعني أن العهد الدولي اشترط توافر حالتين، الأولى: أن يكون الدين ناجماً عن التزام تعاقدي، وبالتالي لا يوجد ما يمنع الحبس عن التعويض عن الديون الناتجة عن الالتزامات غير التعاقدية، والثانية: أن يكون المدين عاجزاً عن الوفاء بالدين، وليس ممتنعاً عن التسديد رغم قدرته على ذلك سواء جزئياً أو كلياً أو حالاً أو مستقبلاً. ما يعني أن منع الحبس ينحصر في العاجز وليس في المماطل المتعنت.

وبالنظر إلى ما تقدم يمكن الجزم بأن أحكام التنفيذ في قانون المرافعات البحريني لم تكن متعارضة مع العهد الدولي للحقوق السياسية والمدنية؛ فالقاضي لا يأمر بالمنع من السفر إلاّ إذا تبين أن المدين قادر على الوفاء، وأمره به فلم يمتثل، أو كان المحكوم عليه أجنبياً ويخشى من فراره من البلاد، وإذا ثبت لقاضي التنفيذ أن المحكوم عليه ليس لديه أموال يمكن التنفيذ عليها ولم يقم بتهريبها إلى الخارج أمر برفع المنع من السفر.

وبالنظر إلى ما ورد في القانون الجديد، فإن المشرع قد كبل قضاء التنفيذ عن استعمال أداة يمكن التلويح بها في وجه المدين المتعنت، وخاصة أن قضاء محكمة التنفيذ يعج بالقضايا التي تعذر تنفيذها سنوات، والعديد من المحكوم عليهم يتعنتون في تنفيذ الأحكام الصادرة بحقهم، ويلجأون إلى التلبيس على القضاة للفرار من التنفيذ، وإخفاء أموالهم أو تسجيلها باسم زوجاتهم وأبنائهم. ولا يثنيهم عن ذلك سوى صدور الأمر بالقبض عليهم، وعندئذ تظهر الموارد المخفية. وفي القانون الجديد ما يغنيهم عن ذلك، وقد يمكنهم من الضرب بأحكام القضاء عرض الحائط دون رادع أو زاجر، وسبل الاحتيال لا حصر لها.

وبالنظر إلى ما تقدم فإن التنفيذ سيغدو عسيراً، إن لم يكن متعذراً، وهذا ما قد يبرر للعديد عدم اللجوء إلى القضاء لاقتناعهم باستحالة التنفيذ قي ظل الأحكام الجديدة، إذ ما الذي يدعو صاحب الحق إلى اللجوء للقضاء ودفع الرسوم القضائية الباهضة -مقارنة بالعديد من الدول الأخرى- وفي النهاية لا يتمكن من الحصول على حقه، أو يقسط له حقه بواقع 10 دنانير شهرياً فيحصل على حقه إن كان ألف دينار على سبيل المثال بعد عشر سنوات.

أ. د سالم عبدالرحمن غميض