"شاء الله أن أولد كفيفة البصر لأبوين محبين وعائلة كانت تترقب حفيدتها الأولى بالفرح والسرور والأماني، شملتني عائلتي بالمحبة والرعاية منذ أن كنت صغيرة رضيعة لا أبصر من النور شيئا يذكر، وهبني الله القدرة على الفهم والذكاء وتمييز الأصوات وجعل لديّ القدرة على معرفة الأشخاص من خلال نبرات أصواتهم كما كنت أتميز بالنشاط والحركة والحيوية، مما لفت انتباه معلماتي وعائلتي، وفي مدة قصيرة جدًا تمكنت من الكتابة والقراءة بطريقة برايل للمكفوفين، لم أكن أتصور بأن أصابعي الصغيرة آنذاك تستطيع أن تكتب كلمات بأزرار ونقاط على الورق، ولكنني فعلتها وأصبحت لعبتي المفضلة".

هكذا عرفت بنفسها الطالبة الكفيفة مريم ظافر من مدرسة خولة الثانوية للبنات، والتي تسطّر نموذجاً يحتذى في الطموح والتحدي والإصرار، فقد واجهت إعاقتها البصرية بقوة لا مثيل لها، سعياً نحو تحقيق حلمها بالعمل معلمة للغة العربية، لمساعدة جميع الطلبة المكفوفين.

وعن بدايتها قالت مريم: "بفضل تعاون المعهد السعودي البحريني للمكفوفين وأخص بالذكر الأستاذ عبد الواحد الخياط مدير المعهد الذي كان يجلس معي ساعات طوال نقرأ القصص ونلخصها، والحمد لله أنا الآن أجد نفسي من الطالبات المتميزات وخصوصًا في مجال الكتابة، وأنا أعتبر اللغة العربية من المواد المحببة لديّ، وأحرص على تعلمها بشكل يومي ودائم، ودرست في المعهد حتى الصف الثالث الابتدائي، عندها كان عليّ أن أذهب إلى مدرسة نظامية حسب مشروع وزارة التربية والتعليم لدمج ذوي العزيمة، ولم يكن سهلاً أن أترك المعهد، فشعرت بالحزن كثيرًا، فهو المكان الذي احتوى قدراتي وهيأني لاستقبال الحياة كإنسانة كفيفة البصر، ولكن كان عليّ أن انتظم في صفوف المرحلة الابتدائية، لتبدأ حياتي صفحة جديدة في مدرسة رابعة العدوية، عشتها بكل الحب والاهتمام من معلماتي وزميلات الدراسة".

وتابعت مريم:" بدأ فصل جديد من حياتي حين التحقت بمدرسة أم سلمة الإعدادية للبنات التي أكن لها كل الود والاحترام ولمعلماتها كل التقدير والإجلال وبالأخص المعلمة شروق التي أشرقت في حياتي شمسًا ونجمة مضيئة أنارت عتمة الظلمة المحيطة بي كانت ومازالت تمثل بالنسبة لي الأم والأخت والمعلمة التي تغدق عليّ بالكثير من الحنان والعطف وتتواصل معي باستمرار وتشجعني على التفوق والدراسة، حقيقة وجدت في هذه المدرسة كل الاهتمام والرعاية من المعلمات والطالبات وإدارة المدرسة المتمثلة في مديرة المدرسة تلك الفترة الأستاذة نجية سلمان التي كانت تدعمني وتشجعني على القراءة والكتابة وتعلمت فيها الكثير من المهارات ونما حبي للغة العربية وكتابة القصص القصيرة وتأليف الشعر العربي فقد أصبحت متمكنة أكثر من الكتابة والتأليف، كما شجعتني المدرسة على الدخول في الكثير من المسابقات الداخلية والخارجية في التأليف القصصي، مما زاد الثقة في نفسي، وجعلني قادرة على مواجهة الآخرين والتحدث معهم، ومما لا أستطيع التغافل عنه بل والإشادة به هو دور اختصاصية الصعوبات الأستاذة شيماء يحيى التي كانت تأخذ بيدي دومًا وتشركني في العديد من المسابقات وهي التي ساعدتني على التغلب على خجلي المفرط الذي لازمني مدة طويلة نتيجة إحساسي بالدونية والاختلاف عن أقراني فقد كنت أعتقد بأن كفيف البصر ليس له حظ في الحياة، كما شجعتني الأستاذة شيماء على المشاركة الدائمة في الإذاعة المدرسية الصباحية ولي معها ذكريات لا تنسى وما زال صدى تصفيق الطالبات يطرب أذني ويشعرني بالسعادة وأنا ألقي أبيات الشعر التي ألفتها في حب الوطن بمناسبة العيد الوطني".

وتضيف: "استكمالاً لحبي للكتابة والتعبير استطعت المشاركة في مشروع تحدي القراءة بدعم وتشجيع الاستاذة قدرية منصور اختصاصية مصادر التعلم وبالطبع معها الأستاذة شيماء يحيى اللتان بفضلهما استطعت الوصول للأدوار النهائية والحصول على شهادة مشارك في هذا المشروع الرائد، كما شاركت في المسابقات العلمية والزراعية مع الأستاذة خديجة عمران والأستاذة ليلى شاكر وأنا أشكرهما كثيرًا لأنهما منحاني فرصة التشافي من الخوف والتردد بزراعة الأرض وغرس البذور، فالأرض دائمًا تمنحك حب الذات وتزرع فيك قيم العطاء والمحبة، كم كنت أحب مدرستي وجميع معلماتي بلا استثناء وكنت أرغب التخرج منها بطريقة اعتيادية أحتضن فيها معلماتي وزميلاتي ولكن بسبب ظروف الجائحة لم يسعفني الحظ أن التقيهن مرة أخرى، وشعرت بالحزن لذلك ومازلت أشعر بالحنين لكل معلماتي ومدرستي التي أعتبرها من أجمل المدارس التي درست فيها".

وتقول:" أنا الآن في الصف الثاني الثانوي أواصل تعليمي وتفوقي وأثبت وجودي بإصراري وعزيمتي وقدرتي على تحدي الصعاب بما وهبني الله من مهارات وقدرات عقلية وذهنية وهيأ لي من الحواس الأخرى التي عوضتني فقدان البصر، وأمنياتي كثيرة ولديّ أحلام بعيدة ولكن أقربها إلى نفسي هو أن أكون معلمة لغة عربية فأنا أعشق اللغة العربية وأرغب أن أعلمها للآخرين، كما أرغب في المستقبل أن أبدأ في تأليف رواياتي الخاصة، ونصيحتي لكل كفيف أن يكون مهتمًا بدراسته ويكون حامدًا شاكرًا لنعم الله الكثيرة.