أمل محمد أمين
لم يعد عزوف الشباب عن الزواج ظاهرة عابرة يمكن تجاهلها أو التعامل معها باعتبارها خياراً فردياً، بل بات قضية اجتماعية متشابكة تعكس خللاً واضحاً في منظومة القيم والظروف الاقتصادية والثقافية التي تحيط بالشباب في مجتمعاتنا العربية. فحين يتأخر الزواج، أو يُستبعد من خطط الحياة لدى أعداد متزايدة من الشباب، فإن الأمر يتجاوز الرغبة الشخصية ليكشف عن أزمات أعمق تمس الاستقرار الاجتماعي والسكينة النفسية والتوازن القيمي.
في مقدمة الأسباب تقف الضغوط الاقتصادية التي تحولت إلى عائق حقيقي أمام الإقدام على الزواج. ارتفاع تكاليف المعيشة، وغلاء السكن، وتزايد متطلبات الزواج من مهور وتجهيزات وحفلات باهظة، جعلت الزواج مشروعاً مرهقاً يفوق قدرة كثير من الشباب، خصوصاً في ظل بطالة مقنعة أو دخل غير مستقر. ومع تراجع القدرة الشرائية مع ضعف الموارد المالية وزيادة البطالة، أصبح الشاب يشعر بأن الزواج مغامرة مالية غير مضمونة العواقب.
وقد نهى الإسلام عن المغالاة والتكلف، فقال الله تعالى:﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء: 4]
وقال سبحانه:﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286]
كما قال:﴿وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: 31]
إلى جانب العامل الاقتصادي، أسهمت التحولات الاجتماعية ووسائل التواصل الاجتماعي في تقديم صورة غير واقعية عن الزواج، ما خلق حالة من الخوف والتردد لدى الشباب.
ولا يمكن إغفال البعد النفسي، حيث يعاني كثير من الشباب من غياب الشعور بالأمان والاستقرار، وهو ما يجعل اتخاذ قرار الزواج أمراً بالغ الصعوبة.
ومن منظور ديني، جعل الله الزواج سكنًا ومودة ورحمة، فقال تعالى:﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا، وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: 21]
وتنعكس ظاهرة عزوف الشباب عن الزواج بوضوح على المجتمع ككل، حيث يؤدي ذلك إلى تفكك تدريجي في البناء الاجتماعي، وتراجع الاستقرار الأسري، وارتفاع معدلات الوحدة والاضطرابات النفسية. كما يترتب عليه خلل ديموغرافي يؤثر في معدلات الإنجاب والتوازن السكاني، فضلاً عن إضعاف منظومة القيم التي تقوم على الأسرة باعتبارها نواة المجتمع. ومع غياب الإطار الأسري، قد تتزايد السلوكيات غير المنضبطة، وتتراجع مشاعر الانتماء والمسؤولية الاجتماعية، ما يهدد تماسك المجتمع على المدى الطويل.
أما علاج هذه الظاهرة، فيبدأ بنشر ثقافة التيسير، ودعم الشباب اقتصاديًا، وتصحيح المفاهيم المغلوطة حول الزواج، امتثالاً لقوله تعالى:﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ، وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: 185]
ولا يمكن اختزال حل مشكلة عزوف الشباب عن الزواج في نصائح فردية، بل يتطلب معالجة شاملة تبدأ بإعادة تصحيح الثقافة المجتمعية المرتبطة بالزواج، ونشر الوعي بأهمية التيسير وتقليل المظاهر المادية المرهقة. كما يستلزم دوراً فاعلاً من الدولة في دعم الشباب عبر توفير فرص عمل حقيقية، ومبادرات إسكان مناسبة، وبرامج تمكين اقتصادي تعيد الثقة في المستقبل. وفي الوقت ذاته، يظل للخطاب الديني والإعلامي دور محوري في ترسيخ المفاهيم الصحيحة عن الزواج، بوصفه شراكة إنسانية ومسؤولية مشتركة، لا عبئاً يخشاه الشباب أو ساحة للتفاخر الاجتماعي.
وفي النهاية، فإن عزوف الشباب عن الزواج ليس أزمة جيل فقط، بل قضية مجتمع كامل تحتاج إلى تضافر الجهود لإعادة الاعتبار لقيم التيسير والتكافل.