ناقشت الباحثة بكلية التربية والعلوم الإدارية والتقنية في جامعة الخليج العربي، سمية الشعشاعي، أطروحة الدكتوراه التي حملت عنوان: «استكشاف دور ابتكار نماذج الأعمال في خلق القيمة العامة: دراسة حالة في الهيئة الملكية للجبيل وينبع»، وذلك ضمن متطلبات الحصول على درجة دكتوراه الفلسفة في إدارة الابتكار من جامعة الخليج العربي.

استهدفت الأطروحة تقديم فهم معمّق لكيفية إسهام ابتكار نماذج الأعمال في القطاع العام في تعزيز خلق القيمة العامة بأبعادها الاقتصادية والبيئية والمجتمعية، من خلال تحليل تجربة الهيئة الملكية للجبيل وينبع بوصفها نظامًا إقليميًا للابتكار يقود التنمية الصناعية والتحول المستدام في المملكة العربية السعودية، ومتوافقًا مع مستهدفات رؤية السعودية 2030 وأهداف التنمية المستدامة.

وقدمت الدراسة إطارًا تكامليًا يربط بين ابتكار نموذج الأعمال والقيمة العامة في سياق الأنظمة الإقليمية للابتكار، موضحةً كيف تسهم التحولات في نموذج عمل الهيئة الملكية، مثل التحول الرقمي، والإدارة الشاملة للمدن الصناعية، والشراكات مع القطاع الخاص، وبرامج الاستدامة البيئية والاجتماعية، في توليد قيمة عامة متعددة الأبعاد لسكان مدينتي الجبيل وينبع وللاقتصاد الوطني ككل.

واعتمدت الباحثة على منهج نوعي ذي فلسفة بنائية، مستند إلى دراسة حالة معمّقة، مستخدمةً المبادئ الإجرائية للنظرية المجذّرة لبناء إطار نظري جديد من الميدان. وشملت أدوات جمع البيانات مراجعة منهجية منظمة للأدبيات حول العلاقة بين ابتكار نماذج الأعمال والقيمة العامة من خلال تحليل الممارسات العالمية الرائدة، وتحليل وثائق وخطط وتقارير الهيئة الملكية للفترة 2014–2024، إضافة إلى مرحلتين من المقابلات: مقابلات مفتوحة مع عدد من القيادات العليا للهيئة، تلتها مقابلات شبه مقننة مع بعض مديري الإدارة الوسطى.

وانطلقت الأطروحة من إطار نظري يجمع بين نظرية ابتكار نماذج الأعمال، ونظرية القيمة العامة، ونظرية التناقض (Paradox Theory)، ونظرية الإدارة العامة الجديدة، حيث فُسِّر ابتكار نموذج الأعمال في الهيئة الملكية على أنه عملية مقصودة لإعادة تشكيل طرق خلق القيمة وتقديمها والتقاطها في سياق حكومي، ضمن توتر مستمر بين متطلبات الكفاءة والرقابة من جهة، وضرورات المشاركة الاجتماعية والاستدامة طويلة الأمد من جهة أخرى.

وأظهرت نتائج الدراسة أن ابتكار نماذج الأعمال في الهيئة الملكية يسهم في خلق قيمة عامة من خلال ثلاثة مسارات رئيسة: تعزيز التنويع الاقتصادي وجذب الاستثمارات وخلق فرص العمل؛ وترسيخ الاستدامة البيئية عبر سياسات وحلول خضراء متكاملة في المدن الصناعية؛ وتحسين جودة الحياة والخدمات في مجالات الإسكان، والتعليم، والصحة، والخدمات الاجتماعية لسكان الجبيل وينبع. كما كشفت النتائج عن «نموذج هجين» للهيئة الملكية يجمع بين حوكمة مركزية قوية وقدرة تنفيذية عالية، وبين آليات متنامية للتفاعل مع الشركاء والمستفيدين، بما يعكس تطبيقًا عمليًا لمفاهيم القيادة المتناقضة في القطاع العام.

وخلصت الباحثة إلى إطار جديد لقياس القيمة العامة في الأنظمة الإقليمية للابتكار يتكون من ثلاثة مجالات و18 بُعدًا و53 مؤشرًا قابلاً للقياس يمكن استخدامها من قبل صناع القرار لتقييم أثر ابتكار نماذج الأعمال في الجهات العامة المشابهة. كما قدمت الأطروحة توصيات سياساتية عملية لتمكين ترسيخ الابتكار المؤسسي في الأجهزة الحكومية السعودية، وتعزيز مواءمة مبادرات التحول الرقمي والاستدامة والشراكات مع مستهدفات رؤية 2030، بما يجعل من تجربة الهيئة الملكية مرجعًا تطبيقيًا لإدارة المدن الصناعية الذكية والصديقة للبيئة في المنطقة.