أمل محمد أمين

في اليوم العالمي للكتابة بطريقة برايل، لا نحتفل بحروفٍ بارزة تُقرأ بالأصابع فحسب، بل نحتفي بحق أصيل من حقوق الإنسان: الحق في المعرفة، والاستقلال، والكرامة.

فهذا اليوم يفتح باباً واسعاً للتأمل في طريقة تعاملنا مع الطفل الكفيف، لا بوصفه حالة خاصة، بل باعتباره طفلاً كامل الإنسانية، كامل الطموح، قادرًا على التعلم والعطاء إذا أُتيحت له الفرصة.

وأكثر وأول خطأ نقع فيه هو الشفقة الزائدة. فالطفل الكفيف لا يحتاج إلى نظرات حزن أو عبارات مواساة دائمة، بل يحتاج إلى إيمان حقيقي بقدراته.

الشفقة تُضعف ثقته بنفسه، بينما الاحترام والدعم الواعي يصنعان منه شخصاً مستقلاً وقوياً.

وعلينا أن نعلم أن التعامل الصحيح يبدأ من الأسرة؛ حين تُشجِّع الطفل على الاعتماد على نفسه، وتمنحه الفرصة ليكتشف العالم بطريقته الخاصة، دون إفراط في الحماية.

فالخوف المبالغ فيه يحرم الطفل من التجربة، والتجربة هي جوهر التعلم.

أما في المدرسة، فالكتابة بطريقة برايل ليست رفاهية، بل ضرورة. تعليم الطفل الكفيف برايل يعني منحه مفاتيح العلم، وفتح أبواب القراءة والكتابة والتفكير النقدي.

وعلى المعلمين أن يدركوا أن الطفل الكفيف لا يتعلم أقل، بل يتعلم بشكل مختلف، ويحتاج إلى وسائل مناسبة لا إلى تقليل التوقعات.

وفي المجتمع، يظل التحدي الأكبر هو تغيير النظرة السائدة. الطفل الكفيف ليس عبئاً، وليس معزولاً عن الحياة.

هو قادر على الإبداع، والنجاح، والمشاركة الفاعلة إذا أُزيلت الحواجز النفسية قبل المادية. كلمة بسيطة، أو تصرّف واعٍ، قد يصنع فارقًا كبيرًا في يومه وحياته.

علينا أن نذكر أنفسنا في اليوم العالمي للكتابة بطريقة برايل هو تذكير لنا جميعاً بأن الدمج الحقيقي لا يكون بالشعارات، بل بالتعليم، والاحترام، وتكافؤ الفرص.

فحين نمنح الطفل الكفيف حقه في التعلم والتعبير، نكون قد كتبنا -دون أن نشعر- سطراً مضيئاً في كتاب الإنسانية.

بالتأكيد يوجد تطبيقات عملية في التعامل مع الطفل الكفيف، حيث لا يكتمل الحديث عن حقوق الطفل الكفيف دون الانتقال من الوعي النظري إلى التطبيق العملي في الحياة اليومية. فالدعم الحقيقي يُقاس بالأفعال لا بالنوايا.

أولاً في المنزل، يمكن للأسرة أن تساعد الطفل الكفيف عبر ترتيب الأثاث بشكل ثابت، وتعريفه على الأماكن باستخدام الوصف اللفظي واللمسي، وتشجيعه على المشاركة في الأعمال اليومية البسيطة مثل ترتيب أغراضه أو المساعدة في المطبخ وفق معايير الأمان.. هذه الممارسات تعزز ثقته بنفسه وتنمّي مهاراته الحياتية.

أما في المدرسة، فتشمل التطبيقات العملية توفير الكتب والوسائل التعليمية المكتوبة بطريقة برايل، واستخدام الوسائل السمعية والتقنيات المساعدة، وإتاحة وقت إضافي عند الحاجة دون إشعار الطفل بالتمييز. كما يُستحسن تدريب المعلمين والطلاب على أسس التواصل السليم، مثل ذكر الاسم قبل الحديث وتوضيح الاتجاهات بدل الإشارة.

وفي المجتمع، يمكن دعم الطفل الكفيف من خلال تهيئة الأماكن العامة بمسارات بارزة وإشارات صوتية، واحترام استقلاليته عند الحركة، وعدم الإمساك به أو توجيهه دون إذنه. كما تسهم الأنشطة الثقافية والرياضية المخصصة أو الدامجة في تعزيز اندماجه الاجتماعي وإبراز مواهبه.

أما التكنولوجيا، فهي من أقوى الأدوات العملية الداعمة، حيث تتيح الهواتف الذكية الناطقة، ولوحات برايل الإلكترونية، وتطبيقات القراءة الصوتية، فرصاً أوسع للتعلم والتواصل، بما يعزز مبدأ تكافؤ الفرص ويقلل الفجوة بين الطفل الكفيف وأقرانه.

إن هذه التطبيقات العملية ليست مسؤولية جهة واحدة، بل هي شراكة بين الأسرة والمدرسة والمجتمع، ونجاحها يعني تمكين الطفل الكفيف من أن يعيش طفولته بكرامة، ويتعلم بثقة، ويحلم دون حدود.