سماهـر سيـف اليزل

هو أكبر من صراع بين ذاكرة الماء وضغط العمران، هكذا يرى الأمر مسؤولون ومهتمون بإعادة ملف عيون البحرين إلى الواجهة محمّلاً بأسئلة الهوية والاستدامة، فبحسب تحذيرات متخصّصين يبدو أن العيون التي صنعت الحياة، وسقت القرى، وشكّلت فضاءات اجتماعية واقتصادية، تجد نفسها اليوم بين الاندثار والإحياء، وبين التلوث وغياب المتابعة الجادة، وكل هذا في ظل أصوات تحذّر من عيون مهدّدة بالاختفاء، وأخرى ترى في إحيائها فرصة سياحية وبيئية واقتصادية، وثالثة تؤكد أن الحفاظ عليها ليس ترفاً، بل ضرورة لحماية أحد أهم ملامح الهوية البيئية والتاريخية للمملكة، في معركة مفتوحة بين ما تبقى من الماء وما يفرضه الواقع الحديث. وتُعد عيون الماء الطبيعية جزءاً أصيلاً من الهوية التاريخية والبيئية لمملكة البحرين، إذ شكّلت على مدى قرون المصدر الرئيس للمياه العذبة، ورافداً أساسياً للزراعة والحياة اليومية والأنشطة الاجتماعية. ومع مطلع عام 2026، عاد ملف العيون إلى الواجهة مجدّداً، مدفوعاً بحراك رسمي ومجتمعي يسعى إلى إعادة إحيائها وحمايتها، ضمن توجهات السياحة المستدامة والحفاظ على الإرث الطبيعي للمملكة. وعُرفت البحرين تاريخياً بكونها جزيرة غنية بالعيون والآبار العذبة، البرية والبحرية، التي اعتمد عليها السكان في الشرب والري، وكانت محطات للتجمّعات الاجتماعية، ومواقع ارتبطت بالأساطير الشعبية والمعتقدات القديمة، قبل أن تتراجع أعدادها وتندثر غالبيتها بفعل التوسّع العمراني واستنزاف المياه الجوفية. وتنتشر في البحرين عشرات العيون التي ارتبطت بتاريخ البلاد وذاكرتها الشعبية، ويبقى بعضها شاهداً على مرحلة مفصلية من علاقة الإنسان البحريني ببيئته. وتُعدّ عين عذاري الأشهر محلياً وخليجياً، وقد عُرفت بقوة اندفاع مياهها التي كانت تسقي القرى البعيدة، ما أوجد المثل الشعبي الشهير «عذاري تسقي البعيد وتخلّي القريب». واليوم أصبحت العين جزءاً من منتزه ترفيهي متكامل يمتد على مساحة تقارب 165 ألف متر مربع، في نموذج يجمع بين الترفيه والحفاظ على القيمة التاريخية.

وفي قرية باربار، تبرز عين أم السجور كأحد أهم المعالم الأثرية المرتبطة بحضارة دلمون، إذ تعود إلى آلاف السنين، وارتبطت بمعتقدات قديمة حول قدسية المياه، إلى جانب بئر باربار المقدّس المرتبط بمعبد دلموني لإله المياه، والذي يُعتقد أنه كان موقعاً لتفجّر المياه العذبة.

كما تقع عين أم شعوم في منطقة الماحوز، وقد خضعت لأعمال تأهيل وإعادة افتتاح لتتحول إلى متنفّس سياحي يحافظ على طابعها التراثي، فيما لاتزال عين الحكيم في منطقة شهركان تحتفظ بتدفق مياهها الطبيعي رغم التحديات العمرانية، لتكون من العيون القليلة التي صمدت أمام التغيرات الحديثة.

وتبرز أيضاً عين الحنينية التي اشتهرت بعذوبة مياهها، وكانت تُنقل إلى المنامة لاستخدامها في الشرب والمقاهي، وذُكرت في كتابات الرحالة البرتغاليين، إلى جانب عين أبو زيدان القريبة من مسجد الخميس، والتي شكّلت نقطة تجمّع مهمة في العصور الإسلامية، ويُعتقد أن جذورها تعود إلى عصر دلمون. أما عين القصاري فكانت مخصّصة لغسيل الملابس والزراعة والاستجمام، قبل أن تختفي بالكامل، تاركة وراءها اسماً محفوراً في الذاكرة الشعبية والنقوش القديمة.

ومع بداية عام 2026، يشهد ملف العيون حراكاً متسارعاً، إذ وافق مجلس أمانة العاصمة في 15 يناير الجاري على مقترح لإعادة إحياء عين الرحى الأثرية في جزيرة سترة، عبر تنظيف حوضها وتقوية جدرانها التاريخية، تمهيداً لتحويلها إلى معلم سياحي وبيئي يعكس تاريخ المنطقة.

ويأتي ذلك في إطار توجّه أوسع ضمن استراتيجية قطاع السياحة 2022-2026، التي تهدف إلى دمج العيون الطبيعية ضمن مسارات السياحة البيئية، مع التركيز على استعادة البيئة المحيطة بها، وزراعة الأشجار والنخيل المحلية، وتحويلها إلى وجهات تجمع بين الترفيه العائلي والقيمة الأثرية.

كما تتميّز البحرين بظاهرة نادرة تتمثل في العيون البحرية (الكواكيب)، وهي عيون ماء عذبة تنبثق من قاع البحر المالح، وتظهر بوضوح خلال فترات الجَزْر، وتشكل إرثاً بيئياً فريداً يجري العمل على حمايته وتوثيقه ضمن الجهود الوطنية للحفاظ على الموارد الطبيعية.

وفي هذا السياق، أكد عضو المجلس البلدي محمد سعد الدوسري أن العيون تمثّل إرثاً بحرينياً معروفاً، مشيراً إلى أن المحافظة الشمالية تضمّ العديد من العيون التي تحتاج إلى متابعة جادة وإعادة استغلالها. وقال إن البحرين جزيرة عُرفت تاريخياً بكثرة عيونها وآبارها، والتي كان لها اعتماد كلّي في الحياة اليومية، لافتاً إلى أهمية توظيفها اليوم كمعالم سياحية ومتنفّسات للتنزّه، إلى جانب إمكانية الاستفادة منها في دعم الأمن الغذائي عبر الزراعة، مع ضرورة اهتمام الجهات المعنية بالعيون والمياه الجوفية بشكل أكبر.

من جانبه، أوضح عبدالله عبداللطيف، رئيس المجلس البلدي للمحافظة الجنوبية، أن «الجنوبية» تزخر بعدد من العيون التي اندثرت وأخرى باتت مهدّدة بالاندثار، وعلى رأسها عين الحنينية التي كانت تسقي مناطق واسعة حتى المنامة. ولفت إلى وجود عيون أخرى اندثرت في وادي الحنينية مثل عين شول وعين أم الحطب، مؤكداً أن هذه العيون متقاربة جغرافياً، وتوجد بها مياه جوفية تتطلب الفحص والتأكد من صلاحيتها، سواء للاستفادة منها في الشرب أو توظيفها في الري الزراعي. وشدّد على ضرورة استغلال هذه العيون كوجهات سياحية، كونها جزءاً من الموروث القديم، ولها دور كبير في حياة البحرينيين في السابق.

وبدوره، أكد المهندس محمد توفيق آل عباس، رئيس لجنة الخدمات والمرافق العامة بمجلس أمانة العاصمة، أن إحياء العيون في البحرين يمثّل خطوة بالغة الأهمية للحفاظ على أحد أبرز عناصر الهوية البيئية والتاريخية للمملكة. وأوضح أن العيون الطبيعية أسهمت تاريخياً في ازدهار الزراعة واستقرار المجتمعات المحلية، وكانت شاهداً على علاقة الإنسان البحريني ببيئته، مشدداً على أن المحافظة عليها يجب أن تكون وفق أُسس مدروسة تحميها من الاندثار والتلوث، مع إعادة تأهيلها بأساليب حديثة تراعي قيمتها التراثية. وأشار آل عباس إلى أن الإدارة المستدامة للعيون تضمن استمرارها كمورد بيئي واقتصادي وسياحي للأجيال المقبلة، لافتاً إلى أن إحياءها يتماشى مع رؤية البحرين الاقتصادية 2030، التي تركز على الاستدامة البيئية وحُسن إدارة الموارد الطبيعية وتعزيز جودة الحياة، مؤكداً أن العيون ليست مجرد مواقع طبيعية، بل استثمار وطني طويل الأمد. ورغم هذا الحراك، لاتزال العيون تواجه تحديات حقيقية، أبرزها اختفاء عدد منها بالكامل، وتعرّض أخرى للتلوث نتيجة المخلفات الصلبة والسائلة، واختلاط المياه الجوفية بمياه البحر، إلى جانب ثغرات في الرقابة البيئية أسهمت في زيادة الملوحة وتراجع الجودة.

كما أدى فقدان العديد من العيون إلى ضياع جزء من التراث الثقافي والطبيعي المرتبط بها، ما دفع إلى مطالبات بإدراج العيون المتبقية ضمن قائمة التراث الوطني لحمايتها قانونياً، كما هو الحال مع عين اصخارة وعين الحكيم. وفي المقابل، تتواصل الجهود لإعادة تأهيل العيون المتبقية ودمجها ضمن مشاريع سياحية وبيئية، في محاولة لإعادة الاعتبار لهذا التراث المائي، وتحويله إلى عنصر جذب مستدام يعكس تاريخ البحرين، ويحافظ على مواردها الطبيعية، ويُعيد للعيون مكانتها في الذاكرة الوطنية.