دخل رجل مع زوجته المستشفى إثر وعكة صحية، فسهرَت الطبيبة بجانبها تتابع نبضها، وتدوّن ملاحظاتها حتى استقرت حالتها، وفي الصباح خرج الزوج وهو يقول: «الحمد لله، الله سخّر الطبيبة لنا».
لكن حين عادت الطبيبة إلى بيتها، وجدت أبناءها نياماً ينتظرونها منذ ساعات، وزوجها مرهقاً لأنه تحمّل وحده أعباء البيت تلك الليلة.
فهل كانت الطبيبة «مسخّرة فقط» لذلك الرجل وعائلته؟ أم أنها إنسانة حرّة تؤدي رسالتها بضمير، وتدفع ثمناً من حياتها الخاصة مثل كل شخص له التزامات متعددة؟
كثيرون يتوهّمون أن الكون، بكل ما فيه من حجر وشجر وبحر، بل وحتى بشر قد خُلق ليخدمهم وحدهم، يمشون وكأن الأرض مفروشة لخطواتهم، وأن الآخرين مجرد أدوات لتُكْمِل نقصهم أو لِتُسدّ حاجاتهم أو لِتُنجز مهامهم.
إلا أنّ بعض الأزواج يتعاملون مع زوجاتهم وكأنهنّ آلات سُخّرت حصرياً لمهام البيت والزوج والأبناء، فلا يليق بحسب رأيهم أن تنشغل بعمل أو مهنة، بل يجب أن تُفرغ نفسها لواجبها المقدّس كزوجة وأم.
ويمتد هذا التصوّر ليصل إلى المعلمات والطبيبات والممرضات، إذ يراهن البعض مجرد أدوات خُلقت لتلبية احتياجات الآخرين، لا بشراً لهنّ رسالاتهن وأدوارهن وأحلامهن الخاصة.
الله سبحانه خلق المرأة إنسانة كاملة ليست آلة مسخرة، والطبيبة التي أنقذت مريضاً ليست مجرد أداة، بل شاهدة أن رحمة الله تمرّ عبر البشر أنفسهم، رجالاً ونساءً.
فالله لا يصادر حرية الإنسان ليجعله وسيلة، بل يُكرمه بأن يكون شريكاً واعياً في صناعة الخير، وليس من حق أحد أن يختزل حياة إنسان في دور واحد فقط، أو يظن أنه يملك أن يحكم على إتمام رسالته، فالزوجة المتفرغة للبيت لا تُعتبر بالضرورة أوفت بكل رسالتها، كما أن العاملة خارج البيت لا تُتهم بالتقصير لمجرد مسؤولياتها المزدوجة.
المقياس ليس صورةً جاهزة أو قالباً موحداً يعمم على الجميع، بل نيّة ووعي وجهد في حدود طاقة كل فرد لأن الكمال لله وحده.
إن واجبنا الحقيقي هو الامتنان لكل من قدّم لنا خدمة بإخلاص، والشكر لله الذي يسوق رحمته إلينا من خلالهم، فالإنسانية ليست «تسخيراً» لفرد على حساب فرد، بل هي دورة رحمة متبادلة كلٌّ يخدم الآخر بقدر ما يستطيع، ليكتمل الوجود معنا لا بنا وحدنا.